وفي ذلك دلالة على أن صانعه عالم لأنه فعل الحواس الخمس على البنية التي تصلح
له مما يختص كل واحد منها بادراك شئ بعينه ، لا يشركه فيه الآخر ، لأن العين
لا تصلح إلا لادراك المبصرات وكذلك الفم يصلح للذوق ، والانف للشم ، والبشرة
للمس ، وكل شئ من ذلك يختص بمالا يشركه فيه الآخر وفى ذلك أوضح
دلالة على أن صانعها عالم بها ، وأنه لا يشبهه شئ ، ولو لم يكن إلا خلق العقل الذي
يهدي إلى كل أمر ، ويتميز به العاقل من كل حيوان ، ولا يشبهه شئ في جلالته
وعظم منزلته لكان فيه كفاية على جلالة صانعه وعظم خالقه . وقيل : معنى اختلاف
الليل والنهار تعاقبهما . وقيل : زيادتهما ونقصانهما ، وإنزال الماء من السماء من
الغيث والمطر واحياء الأرض بالنبات بعد الجدب والقحط فيثبت الله بذلك
رزق الحيوان .
وقوله " وبث فيها من كل دابة " أي فرق فيها من جميع الحيوان بأن خلقها
وأوجدها ، وتصريف الرياح بأن يجعلها تارة جنوبا وتارة شمالا ومرة دبورا ومرة
صبا - في قول الحسن - وقال قتادة : يجعلها رحمة مرة وعذابا أخرى . وقال الحسن :
كثافة السماء مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى سماء فتق مسيرة خمسمائة
عام وبين كل أرضين فتق مسيرة خمسمائة عام ، وكثافة الأرض مسيرة خمسمائة عام .
قوله تعالى :
( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد
الله وآياته يؤمنون ( 6 ) ويل لكل أفاك أثيم ( 7 ) يسمع آيات الله
تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب
أليم ( 8 ) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 248
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٢٤٨