مثل الأولين ( 8 ) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض
ليقولن خلقهن العزيز العليم ( 9 ) الذي جعل لكم الأرض مهدا
وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ) ( 10 ) خمس آيات بلا خلاف
يقول الله تعالى مخبرا " وكم أرسلنا من نبي في الأولين " يعني في الأمم
الماضية ( وكم ) موضوعة للتكثير في باب الخبر ، وهي ضد ( رب ) لأنها للتقليل .
ثم اخبر عن تلك الأمم الماضية انه كان ما يجيئهم نبي من قبل الله إلا كانوا يستهزؤن
به بمعنى يسخرون منه . فالاستهزاء إظهار خلاف الابطان استصغارا أو استحقارا
فالأمم الماضية كفرت بالأنبياء واحتقروا ما أتوا به ، وظنوا انه من المخاريق التي
لا يعمل عليها لجهلهم وفرط عنادهم ، فلذلك حملوا أنفسهم على الاستهزاء بهم ، وهو
عائد بالوبال عليهم .
فان قيل : لم بعث الله الأنبياء مع علمه بأنهم يستهزؤن بهم ولا يؤمنون
عنده ؟ قيل : يجوز أن يكون قوم آمنوا وإن قلوا . وإنما اخبر الله بالاستهزاء عن
الأكثر ، ولذلك قال في موضع " ومن آمن وما آمن معه إلا قليل " ( 1 ) وأيضا
فكان يجوز أن يكون لولا إرسالهم لوقع منهم من المعاصي أضعاف ما وقع عند
إرسالهم ، فصار إرسالهم لطفا في كثير من القبائح ، فلذلك وجب وحسن ، على أن
في إرسالهم تمكينهم مما كلفوه ، لأنه إذا كان هناك مصالح لا يمكنهم معرفتها
إلا من جهة الرسل وجب على الله أن يبعث إليهم الرسل ليعرفوهم تلك المصالح ،
فإذا لم يؤمنوا بهم وبما معهم من المصالح أتوا بالقبائح من قبل نفوسهم ، والحجة قائمة عليهم
وقوله " فأهلكنا أشد منهم بطشا " اخبار منه تعالى انه أهلك الذين هم أشد
هامش
( 1 ) سورة 11 هود آية 40