الذي وكتب الله فيه ما يكون إلى يوم القيامة لما فيه من مصلحة ملائكته بالنظر
فيه وللخلق فيه من اللطف بالاخبار عنه " وأم الكتاب " أصله لان أصل كل
شئ أمه .
وقوله " لعلي حكيم " معناه لعال في البلاغة مظهر ما بالعباد إليه الحاجة
مما لا شئ منه إلا يحسن طريقه ولا شئ أحسن منه . والقرآن بهذه الصفة علمه من علمه
وجهله من جهله لتفريطه فيه و ( حكيم ) معناه مظهر المعنى الذي يعمل عليه المؤدي إلى
العلم والصواب . والقرآن من هذا الوجه مظهر للحكمة البالغة لمن تدبره وأدركه .
ثم قال لمن جحده ولم يعتبر به على وجه الانكار عليهم " أفنضرب عنكم الذكر
صفحا " معناه أنعرض عنكم جانبا باعراضكم عن القرآن والتذكر له والتفكر فيه
" أن كنتم قوما مسرفين " على نفوسكم بترككم النظر فيه والاعتبار بحججه .
ومن كسر الهمزة جعله مستأنفا شرطا . ومن فتحها جعله فعلا ماضيا أي إذ كنتم
كما قال " أن جاءه الأعمى " ( 1 ) بمعنى إذ جاءه الأعمى ، فموضع ( أن ) نصب عند
البصريين وجر عند الكسائي ، لان التقدير الذكر صفحا ، لان كنتم وبأن كنتم .
قال الشاعر :
أتجزع ان بان الخليط المودع * وجعل الصفا من عزة المتقطع ( 2 )
والمسرف الذي ينفق ماله في معصية الله ، لان من انفقه في طاعة أو مباح لم يكن
مسرفا وقال علي عليه السلام ( لا إسراف في المأكول والمشروب ) و ( صفحا ) نصب
على المصدر ، لان قوله " أفنضرب عنكم الذكر " يدل على أن اصفح عنكم صفحا
وكأن قولهم : صفحت عنه أي أعرضت ووليته صفحة العنق . والمعنى أفنضرب
ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم أن كنتم قوما مسرفين ، كما قال " أيحسب الانسان
هامش
( 1 ) سورة 80 عبس آية 2
( 2 ) مر في 1 / 349 و 7 / 9