الله تعالى له " فأخرج منها " قال الحسن : يعني من السماء . وقال غيره :
من الجنة " فإنك رجيم " أي مرجوم إن رجعت إليها بمثل الشهب التي ترجم
به الشياطين . وأصل الرجيم المرجوم ، وهو المرمي بالحجر " وإن عليك لعنتي "
يا إبليس ابعادي لك من رحمتي " إلى يوم الدين " يعني يوم القيامة الذي
هو يوم الجزاء . فقال إبليس عند ذلك يا " رب فانظرني " أي أخرني " إلى
يوم يبعثون " أي يوم يحشرون للحساب ، وهو يوم القيامة فقال الله تعالى له
" فإنك من المنظرين " أي من المؤخرين " إلى يوم الوقت المعلوم " أي اليوم
الذي قدر الله فيه إماتتك ، فعلى هذا لا يلزم أن يكون إبليس مغرى بالقبائح
لعلمه بأنه يبقى ، لأنه لا وقت إلا وهو يجوز أن يخترم فيه ، ولا يقدر على التوبة
فالزجر حاصل له . ومن قال إنه اجابه إلى يوم القيامة يقول : كما أعلمه انه
يبقيه إلى يوم يبعثون ، اعلمه أيضا انه من أهل النار لا محالة ، وانه لا يتوب
وصح مع ذلك تكليفه ، لأنه يلزمه بحكم العقل أن لا يفعل القبيح من حيث إنه
متى فعله زاد عقابه ، ويضاعف على ما يستحق له وتخفيف العقاب عن
النفس واجب بحكم العقل ، كما يجب اسقاط العقاب جملة .
ثم حكى تعالى ما قال إبليس فإنه اقسم وقال " فبعزتك " يا الهي
" لأغوينهم أجمعين " فالعزة القدرة التي يقهر بها غيره من القادرين ،
و ( الاغواء ) التخيب ، وإبليس يغوي الخلق بأن يزين لهم القبيح ويرغبهم
فيه . والغي خلاف الرشد ، وهو الخيبة ، يقال : أغواه يغويه إغواء ، فهو
مغوي إذا دعاه إلى ما فيه الخيبة .
ثم استثنى من جملة من يغويهم " عباد الله المخلصين " مع حرصه على
اغواء الجميع من حيث أنه يئس منهم من حيث علم أنهم لا يقبلون منه ولا
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 584
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥٨٤