الثاني - انه إنما أمره بالذبح وذبح ، وكل ما فرى جزء من حلقه وصله
الله بلا فصل حتى انتهى إلى آخره فاتصل به ، وصله الله تعالى ، فقد فعل
ما أمر به ولم يبن الرأس ولا انتفى الروح .
الثالث - انه امر بالذبح بشرط التخلية والتمكين ، فكان كما روي أنه كلما
أعمد بالشفرة انقلبت وجعل على حلقه صفحة من نحاس ، وهذا الوجه ضعيف ،
لان الله تعالى لا يجوز ان يأمر بشرط ، لأنه عالم بالعواقب ، وإنما يأمر الواحد
منا بشرط ذلك لأنه لا يعلم العواقب ، ولان فيه انه أمر بما منع منه وهذا عيب
فاما قول من قال : انه فداه بذبح ، فدل ذلك على أنه كان مأمورا بالذبح
على الحقيقة ، اعتراضا على الوجه الأول ، لان من شأن الفداء أن يكون من
جنس المفدي ، فليس بشئ ، لأنه لا يلزم ذلك الا ترى ان من حلق رأسه
وهو محرم يلزمه ذلك ، وكذلك إذا لبس ثوبا مخيطا أو شم طيبا أو جامع . وإن
لم يكن جميع ذلك من جنس المفدي .
وقوله * ( إنا كذلك نجزي المحسنين ) * معناه إنا جازينا إبراهيم على فعله
بأحسن الجزاء . ومثل ذلك نجزي كل من فعل طاعة ، فانا نجازيه على فعله
بأحسن الجزاء .
ثم اخبر تعالى بأن هذا الذي تعبد به إبراهيم هو البلاء المبين أي الاختبار الظاهر
وقيل : هو النعمة البينة الظاهرة ، وتسمى النعمة بلاء والنقمة أيضا بلاء من حيث إنها
سميت بسببها المؤدي إليها ، كما يقال لأسباب الموت هو الموت بعينه * ( والمبين ) *
هو البين في نفسه الظاهر ، ويكون بمعنى الظاهر ، ويكون بمعنى المظهر ما في
الامر من خير أو شر .
ثم قال تعالى * ( وفديناه ) * يعني ولد إبراهيم * ( بذبح عظيم ) * فالفداء جعل
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 519
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥١٩