فخبر " ان الذين آمنوا " قوله " إن الله يفصل " فدخل ( إن ) على الخبر تأكيدا ،
كما يقول القائل : إن زيدا إن الخبر عنده لكثير ، وقال جرير :
إن الخليفة ان الله سربله * سربال ملك به ترجى الخواتيم ( 1 )
وقال الفراء لا يجوز أن تقول : إن زيدا انه صائم لاتفاق الاسمين . قال
الزجاج : يجوز ذلك ، وهو جيد بالغ . ومعنى قوله " يفصل بينهم " يعني إن الله
يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر إلى العلم بصحة الصحيح ويبيض وجه
المحق ، ويسود وجه المبطل . والفصل هو التمييز بين الحق والباطل . وإظهار أحدهما
من الآخر .
وقوله " إن الله على كل شئ شهيد " أي عالم بما من شأنه أن يشاهد ، فالله
تعالى يعلمه قبل أن يكون ، لأنه علام الغيوب . ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله والمراد
به جميع المكلفين فقال " ألم تر " ومعناه ألم تعلم " أن الله يسجد له من في السماوات
ومن في الأرض " من العقلاء . ويسجد له " الشمس والقمر والنجوم والجبال
والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب " فسجود الجماد هو
ما فيه من ذلة الخضوع التي تدعو العارفين إلى السجود ، سجود العبادة لله المالك
للأمور ، وسجود العقلاء هو الخضوع له تعالى والعبادة له . وقوله " من في السماوات
ومن في الأرض " وإن كان ظاهره العموم ، فالمراد به الخصوص إذا حملنا السجود
على العبادة والخضوع ، لأنا علمنا أن كثيرا من الخلق كافرون بالله تعالى . فلذلك
قال ( وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ) ارتفع ( كثير ) بفعل مقدر ،
كأنه قال ( وكثير ) أبي السجود ، ف ( حق عليه العذاب ) دل عليه ، لأنهم يستحقون
العقاب بجحدهم وحدانية الله ، وإشراكهم معه غيره . وقيل : سجود كل شئ - سوى
هامش
( 1 ) ديوانه ( دار بيروت ) 431 وروايته : ( يكفي الخليفة )