إذا حثه على المر السريع ، فمعنى " يركضون " يهربون من العذاب سراعا ، كالمنهزم
من عدو . فيقول الله تعالى لهم " لا تركضوا " أي لا تهربوا من الهلاك " وارجعوا
إلى ما أترفتم فيه " أي ارجعوا إلى ما كنتم تنعمون فيه ، توبيخا لهم وتقريعا على
ما فرط منهم . ومعنى " ما أترفتم فيه " نعمتم ، فالمترف المنعم والتترف التنعم ، وهي
طلب النعمة . " ومساكنكم لعلكم تسألون " أي ارجعوا إلى مساكنكم لكي تفيقوا
بالمسألة - في قول مجاهد - وقال قتادة : إنما هو توبيخ لهم في الحقيقة . والمعنى تسألون
من أنبيائكم ؟ على طريق الهزء بهم ، فقالوا عند ذلك معترفين على نفوسهم بالخطأ
" يا ويلنا إنا كنا ظالمين " لنفوسنا بترك معرفة الله وتصديق أنبيائه ، وركوب
معاصيه . والويل الوقوع في الهلكة . ونصب على معنى ألزمنا ويلنا .
ثم اخبر الله تعالى عنهم بأن ما حكاه عنهم من الويل " دعواهم " ونداؤهم
أبدا " حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالعذاب - في قول الحسن - وقال مجاهد :
يعني بالسيف ، وهو قتل ( بخت نصر ) لهم . والحصيد قتل الاستئصال ، كما يحصد
الزرع بالمنجل ، والخمود كخمود النار إذا طفيت .
قوله تعالى :
( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ( 16 )
لو أرادنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ( 17 )
بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل
مما تصفون ( 18 ) وله من في السماوات والأرض ومن عنده
لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ( 19 ) يسبحون الليل
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 235
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٢٣٥