وقوله ( لا يسمعون فيها لغوا ) أي لا يسمعون في الجنة كلاما لا فائدة فيه
( ولا كذابا ) أي ولا تكذيب بعضهم لبعض . ومن قرأ ( كذابا ) بالتخفيف أراد
مصدر كاذبه مكاذبة ، وكذابا قال الشاعر :
فصدقتني وكذبتني * والمرء ينفعه كذابه ( 1 )
وقال الفراء : قال اعرابي في طريق مكة : يا رب القصار أحب إليك أم الحلق
يريد أقصر شعري أم احلق .
وقوله ( جزاء من ربك عطاء حسابا ) أي فعلنا بالمؤمنين المتقين ما فعلنا
جزاء على تصديقهم بالله ونبيه ، فالجزاء إعطاء المستحق بعمل الطاعة أو المعصية .
وقوله ( عطاء حسابا ) أي بحساب العمل كل إنسان على قدر عمله من
النبيين والصديقين والشهداء الصالحين ، ثم سائر أخيار المؤمنين ، وعند الله المزيد .
وقيل : معناه عطاء كافيا من قولهم : أعطاني ما أحسبني أي كفاني ، وحسبك أي
اكتف ، وحسبي الله أي كفاني الله . وقال الحسن : معناه إنه أعطاهم ذلك محاسبة .
وقوله ( رب السماوات والأرض ) من رفع استأنف الكلام وجعله مبتدأ .
وقوله ( الرحمن ) خبره ، ومن جره رده على قوله ( من ربك ) رب السماوات ،
وجعل ( الرحمن ) جرا بأنه نعته . ومن رفع الرحمن وجر الأول قطعه عن الأول
وتقديره : هو الرحمن . والمعنى إن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو الله رب
السماوات والأرض ومديرهما ، ومدبر ما بينهما ، والمصرف لهما على ما يريده
( لا يملكون منه خطابا ) ومعناه لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه ، كما قال
( لا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ( 2 ) وفي ذلك أتم التحذير من الاتكال . والخطاب
توجيه الكلام إلى مدرك بصيغة مبينة كاشفة عن المراد بخلاف صيغة الغائب عن الادراك
هامش
( 1 ) مر في 8 / 390 و 9 / 425
( 2 ) سورة 21 الأنبياء آية 28 .