فكر وقدر إلى أن قال : هذا القرآن سحر مأثور ، وهو قول البشر ، قال الله تعالى
مهددا له ومتوعدا ( سأصليه سقر ) أي ألزمه جهنم ، والاصلاء إلزام موضع النار
أصلاه يصليه إصلاه واصطلى فهو يصطلي اصطلاء ، وصلاه يصليه ، واصله اللزوم .
وسقر اسم من أسماء جهنم ، ولم يصرف للتعريف والتأنيث وأصله من سقرته الشمس
تستقره سقرا إذا آلمت دماغه . وقد سميت النار سقر لشدة إيلامها ، ومنه الصقر
بالسين والصاد ، لان شدته في نفسه كشدة الألم في أذى صيده .
وقوله ( وما أدراك ما سقر ) إعظاما للنار وتهويلا لها أي ولم يعلمك الله
سقر على كنهها وصفتها ، ثم وصف بعض صفاتها فقال ( لا تبقي ولا تذر ) وقال
مجاهد : معناه لا تبقي من فيها حيا ، ولا تذره ميتا . وقال غيره : لا تبقي أحدا من
أهلها إلا تناولته ، ولا تذره من العذاب . والابقاء ترك شئ مما اخذ ، يقال أبقى
شيئا يبقيه ابقاء ، وأبقاه الله أي أطال مدته . والباقي هو المستمر الوجود .
وقوله ( لواحة للبشر ) أي مغيرة لجلد الانسان الذي هو البشرة - في قول
مجاهد - وقال المؤرج : لواحة بمعنى حراقة ، وبه قال الفراء . وقال غيرهما : معناه
تلوح لجميع الخلق حتى يروها ، كما قال ( وبرزت الجحيم لمن يرى ) ( 1 ) لأنه لا يجوز
أن يصفها بأنها تسود البشرة مع قوله ( إنها لا تبقي ولا تذر ) والتلويح تغير اللون إلى
الأحمر والتلويح بالنار تغير بشرة أهلها إلى الاحمرار ، يقال : لوحته الشمس تلوحه تلويحا
فهي لواحة على المبالغة في كثرة التلويح ، والبشر جمع بشرة ، وهي ظاهر الجلدة ،
ومنه سمي الانسان بشرا ، لأنه ظاهر الجلدة ، بتعريه من الوبر والريش والشعر الذي
يكون في غيره من الحيوان في غالب أمره .
وقوله ( عليها تسعة عشر ) أي على سقر تسعة عشر من الملائكة . وإنما
خص بهذه العدة لتوافق صحة الخبر لما جاء به الأنبياء قبله صلى الله عليه وآله ، ويكون في
هامش
( 1 ) سورة 79 النازعات آية 36 .