[ لقيت من طرفهم ] فقلت : دخلت يوما إلى مستقرهم ، فرأيت مراتبهم على
مقدار بليتهم ، وإذا قوم قيام قد شدت أيديهم إلى الحيطان بالسلاسل ، ونقبت من
البيوت التي هم بها إلى غيرها مما يجاورها ، لأن علاج أمثالهم أن يقوموا الليل والنهار
لا يقعدون ولا يضطجعون ، ومنهم من يجلب على رأسه ويدهن أوراده ، ومنهم من
ينهل ويعل بالدواء حسبما يحتاجون إليه ، فدخلت مع ابن أبي خميصة وكان المتقلد
للنفقة عليهم ، ولتفقد أحوالهم ، فنظروا إليه وأنا معه فأمسكوا عما كانوا عليه ،
فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته ، وتبرق للدهن جبهته ، وهو جالس على حصير
نظيف ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة ، فجاوزته إلى غيره فناداني : سبحان الله -
أين السلام ، من المجنون ؟ ترى أنا أو أنت فاستحييت منه ، وقلت : السلام عليكم .
فقال : لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد عليك ، على أنا نصرف سوء أدبك
إلى أحسن جهاته من العذر ، لأنه كان يقال : إن للداخل على القوم دهشة ، اجلس
أعزك الله عندنا ، وأومأ إلى موضع من حصير ينفضه كأنه يوسع لي ، فعزمت على
الدنو منه فناداني بن أبي خميصة : إياك إياك ، فأحجمت عن ذلك ووقفت ناحية
استجلب مخاطبته ، وأرصد الفائدة منه : ثم قال وقد رأى معي محبرة : يا هذا أرى آلة
رجلين ، أرجو أن لا تكون أحدهما ، أتجالس أصحاب الحديث الأغثاء ، أم الأدباء
أصحاب النحو والشعر ؟ قلت : الأدباء ، قال : أتعرف أبا عثمان المازني ؟ قلت نعم -
معرفة ثابتة ، قال فتعرف الذي يقول فيه :
وفتى من مازن * ساد أهل البصرة
أمه معرفة * وأبوه نكره
قلت : لا أعرفه . قال فتعرف غلاما لقد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ ،
قد برز في النحو ، وجلس في مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرد ؟ قلت أنا والله
عين الخبير به ، قال : فهل أنشدك شيئا من عبثات شعره ؟ قلت : لا أحسبه يحسن قول
الشعر ، قال : يا سبحان الله أليس هو الذي يقول :
حبذا ماء العناقيد * بريق الغانيات
بهما ينبت لحمي * ودمى أي نبات
أيها الطالب أشهى * من لذيذ الشهوات
كل بماء المزن تفاح * الخدود الناعمات
تاريخ بغداد — صفحة 154
مساهمون: مصطفى عبد القادر عطا
ص١٥٤