ما لم يفترقا ) قال هذا رجز . أترى الناقل عن أبي حنيفة مثل هذا ما استحيا أن ينقل ما
لا يسمع ، فإن أراد به الرجز الذي هو الشعر فليس كذلك ومثل أبي حنيفة يعرف
هذا المقدار ، ولو أنه عرض على أدنى عامي لعرف هذا فكيف ينقل عن أبي حنيفة
رحمه الله ما لو قيل لعامي لعرف أنه خلاف ذلك ويدعى أنه الثبت ؟ وأما أبو حنيفة
فإنه لا يأخذ بهذا الحديث على هذا الوجه الذي ذهب إليه غيره أن قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا
اختلف لفظا الواجب أن يوفق بينهما معنى . وهذا مذهب أبي حنيفة والبيع عقد من
عقود الشرع ، وجميع عقود الشرع بعد صحتها لا تحتمل النقض ، مثل أن تقول بعت
ويقول اشتريت ، ومثل أن تقول أنكحتك على صداق مبلغه كذا وكذا ، فيقول
قبلت . فكما أنه ليس خيار في النكاح فكذلك ليس له خيار في البيع . وكذلك إلا
جارة وغيرها من عقود الشرع ، وإنما كلام النبي صلى الله عليه وسلم مثل القرآن والقرآن جاء على
العرب ، تقول بئست الرمية الأرنب وإن كانت لم ترم إلا أنها من شأنها أن ترمى
فسميت رمية بذلك . كما قال تعالى ( أعصر خمرا ) والمايع لا ينعصر وإنما كان
يعصر عنبا ليجعله خمرا . فلما كان من شأنه أن يكون خمرا نطلق اسم الخمر على
العنب ، لأنه اسم ما يؤل إليه . وقد روى أنه عليه السلام . قال لأبي سفيان يوم الفتح :
( كل الصيد في جوف الفرا ) سماه صيدا وان لم يصد . فكذلك سماهما بيعين وإن يبيعا
بعد ، وتقديره البيعان بالخيار إذا شاءا تبايعا ، وإن شاءا لا . كما قال صلى الله عليه وسلم : ( المتطوع
أمير نفسه ، إن شاء صام وإن شاء أفطر ) فلما عرض عليه الحكم وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم
حضر عند رجل من الأنصار وكان معه رجل صائم فقال : ( أجب أخاك وأفطر
واقض يوما مكانه ) فلما أثبت الوجوب أوجب العوض ، فهذا ومثله كثير عن النبي
صلى الله عليه وسلم .
قال قلت : روى قتادة عن أنس أن يهوديا رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ
النبي صلى الله عليه وسلم رأسه . قال . هذيان . فأبو حنيفة رحمه الله لا يقول عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا ،
ولو كان كما قال عنه الخطيب لما ترك فضلا عن أن يتبعه الناس ويقتادون إليه وقد
تقدم أن رواية جماعية خير من رواية آحاد الناس . ثم هذا الخبر مجمع على ترك العمل
به بقول النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد الله . قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش
أو سرية . قال : ( اغزوا بسم الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ) . ألا
تراه صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة . ونهى في الخبر عن قتل النساء والصبيان فهذا ناسخ لما تقدم .
الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي — صفحة 56
مساهمون: ابن النجار البغدادي
ص٥٦