تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
وسميت ليلة القدر من تقدير الأمور فيها أو من القدر بمعنى الشرف ، ويترجح الأول بقوله فيها يفرق كل أمر حكيم * ( وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) * هذا تعظيم لها ، قال بعضهم : كل ما قال فيه ما أدراك فقد علمه النبي صلى اللَّه عليه وسلم وما قال فيه ما يدريك فإنه لا يعلمه * ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) * معناه أن من قامها كتب اللَّه له أجر العبادة في ألف شهر ، قال بعضهم يعني في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وفي الحديث الصحيح أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه « 1 » وسبب الآية أن رسول اللَّه تعالى عليه وسلم ذكر رجلا ممن تقدم عبد اللَّه ألف شهر ، فعجب المسلمون من ذلك ورأوا أن أعمارهم تنقص عن ذلك ، فأعطاهم اللَّه ليلة القدر وجعلها خيرا من العبادة في تلك المدة الطويلة . وروي أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهما عوتب حين بايع معاوية فقال : إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم رأى في المنام بني أمية ينزون على منبره نزو القردة ، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس ألف شهر ، فاهتم لذلك ، فأعطاه اللَّه ليلة القدر وهي خير من ملك بني أمية ألف شهر ، ثم كشف الغيب أنه كان من بيعة الحسن لمعاوية إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوك بني أمية بالمشرق ألف شهر * ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) * الروح هنا جبريل عليه السلام ، وقيل : صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة وتنزّلهم هو إلى الأرض ، وقيل : إلى السماء الدنيا وهو تعظيم لليلة القدر ورحمة للمؤمنين القائمين فيها * ( مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) * هذا متعلق بما قبله ، والمعنى أن الملائكة ينزلون ليلة القدر من أجل كل أمر ، يقضي اللَّه في ذلك العام . فإنه روي أن اللَّه يعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام من الآجال والأرزاق وغير ذلك ، ليمتثلوا ذلك في العام كله ، وقيل : على هذا المعنى أن من بمعنى الباء أي ينزلون بكل أمر وهذا ضعيف وقيل : إن المجرور يتعلق بعده والمعنى أنها سلام من كل أمر أي سلامة من الآفات ، قال مجاهد : لا يصيب أحد فيها داء . والأظهر أن الكلام تمّ عند قوله : من كل أمر . ثم ابتدأ قوله : سلام هي واختلف في معنى سلام فقيل إنه من السلامة وقيل : إنه من التحية ، لأن الملائكة يسلمون على المؤمنين القائمين فيها ، وكذلك اختلف في إعرابه فقيل : سلام هي مبتدأ وخبر وهذا يصح سواء جعلناه متصلا مع ما قبله أو منقطعا عنه ، وقيل : سلام . خبر مبتدأ مضمر تقديره : أمرها سلام أو : القول فيها سلام . وهي مبتدأ خبره حتى مطلع « 2 » الفجر أي هي دائمة إلي طلوع الفجر ، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب وقال ابن عباس : إن قوله هي إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين ، لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرين من كلمات السورة .
هامش
( 1 ) . رواه أحمد ج 2 ص 408 عن أبي هريرة وهو في الصحيحين أيضا . ( 2 ) . قرأ الكسائي : مطلع بكسر اللام والباقون بفتحها .
التسهيل لعلوم التنزيل — صفحة 500 | الغرناطي الكلبي / عبد الله الخالدي