الانحلال إنما يتصور فيما لم يكن أحد احتمالي المعلوم بالتفصيل موقوفا على
فرض وجود ما يعد مشكوكا بدويا ، وفي الحقيقة يكون من أول الأمر في موارد
الانحلال : علم تفصيلي ، وشبهة بدوية ، وإنما يتخيل الانسان أنه عالم إجمالا ، كما
في موارد الأقل والأكثر ، استقلالا أو ارتباطا ، وأما إذا كان في الواقع علم اجمالي ،
فلا معنى بعد لانحلاله ، وما نحن فيه من هذا القبيل ( 1 ) كما لا يخفى على المتدبر .
هامش
( 1 ) حاصل الجواب : أنه إن كان محل الكلام القيد المتصل ، فالتقييد الواحد والأكثر سيان في
أنه ليس شئ منهما خلاف أصل معتبر عقلائي ، إذ للمتكلم أن يلحق بمعاني ألفاظه
المستعملة قيودا حتى تنطبق على مراده ، فيقول : " أكرم العالم العادل الفقيه بالقضاء " - مثلا -
وليس فيه خلاف أصل أصلا ، فدوران الأمر بين تقييد وتقييدين لا يوجب للأول مزية ، فضلا
عما إذا كان بمنزلة التقييد وموجبا لبطلان محل الإطلاق ، ونتيجة الأمر : أن يؤول الأمر إلى
الإجمال في القيد المتصل في ظهور الكلام .
وإن كان الكلام في التقييد بالمنفصل ، ففيه أولا ، أن مقدمات انعقاد الإطلاق إنما هي عدم
نصب القرينة والقيد ما دام مشتغلا بالإفادة لا إلى الأبد ، وعليه ، فالاطلاق قد انعقد للمادة
والهيأة ، ولا معنى لإبطال محل الإطلاق في المادة بعد فرض إيراد القيد على الهيأة ، بل لو
كان لكان تقييدا للمادة أيضا تبعا لتقييد الهيأة .
وثانيا : أن مجرد تقييد الهيأة لا يستلزم تقييد المادة ، وذلك أن تقييد المادة - كما مر في ملاك
الواجب المشروط وعند الجواب عن الشيخ الأعظم ( قدس سره ) - لا يكون إلا إذا لم يكن نفس طبيعة
المادة وافية بالمصلحة المرادة منها ، بل كان التقيد بالقيد دخيلا في ترتب المصلحة عليها ،
ومن المعلوم أن صرف تقييد الهيأة لا يقتضي سوى أن كون الفعل ذا مصلحة للمكلف منوط
بالقيد الفلاني ، فإذا لم يكن قيد ليس تحصيل الفعل ذا مصلحة للمكلف أصلا ، وإذا تحقق
القيد صار الفعل في الجملة ذا مصلحة له ، وأما أن القائم بالمصلحة حينئذ نفس الفعل بلا قيد ،
أو هو مع قيد يستلزمه تحقق قيد الهيأة فكلاهما محتمل جدا ، دائر مدار دخل القيد في
حصول المصلحة وعدم دخله فيه ، فإذا احتمل الأمران فإيراد القيد على كل من الهيأة
والمادة لا يقتضي أزيد من تقييد نفسها بخصوصها ، وأما تقييد الأخرى فليس لازما له ،
وأصالة الإطلاق المنعقدة بقيام مقدماته تدفع ذاك التقييد المشكوك .
والنتيجة هنا أيضا : أنه مع دوران الأمر بين تقييد الهيأة والمادة لا ترجيح لشئ منهما
بخصوصه ، ويؤول الأمر إلى الإجمال في المراد الجدي . ( منه عفي عنه ) .