بأن المسافر إلى اللّه فى سفره الأول الذى هو بقدم النفس أعنى السفر من الخلق إلى الحق و هو مظهره لا بد له من خراب البدن و اضمحلال القوى النفسانية حتى يتخلص من سلطان الشيطان و غصبه و يسلم للقوى العقلية التى هى فى به دو الأمر مساكين عاجزين عن اكتساب ما يحتاجون إليه . كما قال الخضر ( ع ) لموسى :
اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر و كان وراءهم ملك ياخذ كل سفينة غصبا « 1 »
فأردت أن أعيبها حبا للّه لا بغضا فى اللّه .
و بالجملة فىء خذ السالك فى المجاهدات و الرياضات الاختيارية المشروعة بحيث يوجب كسر قوى النفسانية و يصبر على البلايا و الامتحانات الإلهية الاضطرارية فيتحقق الملكة و السلطنة على القوى النفسانية و بذلك يقع تحت سلطان الإنسان الكامل و الإقبال إليه فينتهى سفره الأول و يكون بالنسبة إليه كالميت بين يدى الغسال .
و اما ثانيا فلقد أشار إليه بقوله تعالى :
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ
و الإنكار و الإظهار ترجعان إلى اختلاف الأنظار . اعلم أن ابتداء السفر الثانى لما من الحق المظهر إلى الحق الظاهر و لا يمكن ذلك الّا بقدم القلب و لا يتولد القلب إلا بعد قتل الشيطنة و محوها بقواها و جنودها حتى لا يبقى مها اثر و لا لقواها خبر فيتولد القلب المدرك لحضور ربه و ظهوره فتجلى عليه اسما بعد اسم حسب « 2 » ما يناسبه كما تجلى لخليله كما عرفت علم الخضر موسى ( ع ) بقتله الغلام لزوم قتل غلام الشيطنة حتى يتولد غلام القلب و لذا قال في تأويله :
وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً
« 3 »
هامش
( 1 ) . نفس المصدر : 74 .
( 2 ) . فى الأصل : حسبهما
( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 81 .