الخطيب : وعلى الامام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم أو
للفتوى في الاحكام ما يغنيه عن التكسب ، ولا يجوز أن يفتي فيما يتعلق بالألفاظ
كالأيمان والاقرار والوصايا ونحوها ، إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ أو نازلا منزلتهم
في الخبرة بمرادهم في العادة ، وليس للمفتي والعامل على مذهب الإمام الشافعي
في المسألة ذات الوجهين أو القولين أن يفتي أو يعمل بما شاء منهما من غير نظر وهذا
لا خلاف فيه ، بل عليه في القولين أن يعمل بالمتأخر منهما إن علمه ، وإلا فبالذي
رجحه الشافعي ، فإن لم يكن رجح أحدهما ولا علم السابق ، لزمه البحث عن
أرجحهما ، فيعمل به ، فإن كان أهلا للترجيح ، اشتغل به متعرفا ذلك من نصوص
الشافعي ومآخذه وقواعده ، وإلا فلينقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة ، فإن
لم يحصل له ترجيح بطريق ، توقف . وأما الوجهان فيتعرف أرجحهما بما سبق إلا أنه
لا اعتبار بالتأخر إلا إذا وقعا من شخص واحد ، وإذا كان أحدهما منصوصا
للشافعي ، والآخر مخرجا ، فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالبا ، كما إذا رجح
الشافعي في أحد القولين ، بل هذا أولى . ولو وجد من ليس أهلا لترجيح خلافا
للأصحاب في الأرجح من القولين أو الوجهين ، فليعتمد ما صححه الأكثر ، والأعلم
والأورع ، فإن تعارض أعلم وأورع ، قدم الأعلم ، فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح ،
اعتبر صفات الناقلين للقولين ، والقائلين للوجهين فما رواه البويطي والمزني والربيع
المرادي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة ، كذا نقله الخطابي
من أصحابنا عن أصحابنا ، إلا أنه لم يذكر البويطي ، وزدته أنا لكونه أجل من
الربيع ، وأقدم من المزني ، وأخص بالشافعي منه . قال الشيخ أبو عمرو : ويترجح
أيضا ما وافق أكثر أئمة المذاهب . وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي
قولان ، أحدهما كقول أبي حنيفة رضي الله عنه وجهين ، قال الشيخ أبو حامد :
المخالف لأبي حنيفة رضي الله عنه أرجح ، فلو لم يطلع الشافعي على معنى مخالف
لما خالفه ، والصحيح أن الموافق أولى ، وبه قال القفال ، وهذا إذا لم نجد مرجحا
مما سبق . ولو تعارض جزم مصنفين ، فهو كتعارض الوجهين ، فيرجع إلى البحث
كما سبق ، ويرجح أيضا بالكثرة ، فإذا جزم مصنفان بشئ ، وجزم ثالث مساو
لأحدهما بخلافهما ، رجحناهما عليه .
واعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ، ووجوه
روضة الطالبين — صفحة 97
مساهمون: النووي
ص٩٧