واعلم أن انعقاد الوصية بالكتابة ليس ببعيد وإن استبعدوه ، لأن الكتابة
ككنايات الألفاظ . وقد سبق في البيع ذكر الخلاف في انعقاد البيع ونحوه بالكنايات .
وذكرنا الآن أن الوصية أشد قبولا للكنايات . فإذا كتب ، وقال : نويت الوصية
لفلان ، أو اعترف ورثته به بعد موته ، وجب أن يصح .
فرع لو اعتقل لسانه ، صحت وصيته بالإشارة والكتابة .
فصل وأما القبول ، فإن كانت الوصية لغير معين ، كالفقراء ، لزمت
بالموت ، ولم يشترط فيها القبول . وإن كانت لمعين ، فالمذهب اشتراط القبول
ولا يصح قبول ولا رد في حياة الموصي ، فله الرد وإن قبل في الحياة ، وبالعكس ،
لأنه حق له قبل الموت ، فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع ، ولا يشترط الفور في
القبول بعد الموت .
قلت : هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور . وفيه وجه : يشترط الفور .
حكاه صاحب المستظهري وليس بشئ . والله أعلم .
فإن رد بعد الموت ، فله أحوال .
أحدها : أن يقع قبل القبول ، فترتد الوصية ، ويستقر الملك للورثة في
الموصى به . ولو أوصى بالعين بالعين لواحد ، وبالمنفعة الآخر ، فرد الموصى له بالمنفعة ،
فهل هي للورثة ، أم للموصى له بالعين ؟ وجهان . أصحهما : الأول . ولو أوصى
بخدمة عبد لرجل سنة ، وقال : هو حر بعد سنة ، فرد الموصى له ، لم يعتق قبل
السنة .
الثاني : أن يقع بعد القبول ، وقبل الموصى له ، فلا يصح رده ، فإن راضى
الورثة ، فهو ابتداء تمليك منه لهم .
الثالث : أن يقع بعد القبول ، وقبل القبض ، فلا يصح الرد على الأصح . ولو
قال : رددت الوصية لفلان ، يعني أحد الورثة ، قال في الأم : إن قال : أردت
لرضاه ، كان ردا على جميع الورثة . وإن قال أردت تخصيصه بالرد عليه ، فهو هبة