ولا هم يحزنون ) البقرة : 274 ، وقد ذكر الله تعالى للمؤمنين قوله ( لا خوف عليهم
ولا هم يحزنون ) في القرآن في نحو اثني عشر موضعا تأكيدا لهذا الأمر في نفوس
أهل الإيمان .
وقال تعالى ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) إلى
قوله تعالى ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم
توعدون ) الأنبياء : 103 ، فإذا كانوا لا يفزعون في الفزع الأكبر يوم القيامة وقد أمنهم
الله تعالى من الخوف ، فما بالك بالفزع الأصغر الموت وما بعده ! ! وقال تعالى
( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ) النمل : 89 .
فالله تعالى بشر المؤمنين ، ولكن هؤلاء الوعاظ وبعض العلماء يخوفونهم ،
ويحدثونهم بالواهيات والضعاف أو بالأحاديث الصحيحة المعارضة بالقطعيات ! !
ومن تلك الأحاديث حديث ضمة القبر للمؤمن والكافر وأنه لم ينج من ضمة القبر
حتى سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن عند موته فرحا بلقياه ( 258 ) ، والصحيح
أننا لا نأخذ بهذا الحديث لأن معناه يخالف ما ثبت في القرآن من الرحمة والبشرى
للمؤمنين وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، هذا ما نعتقده وندين الله تعالى
به ، ولا نرد الآيات المحكمات القطعيات التي تبشر المؤمن وتعلمه بأنه لا خوف
عليه ولا حزن ، لحديث آحاد يدخل الرعب والخوف على قلوب الناس ، بل لا
نعتقد صحته إسنادا ومتنا .
واعلم أنه لا بد للمؤمن من أن يتعادل عنده جانب الخوف والرجاء لا يطغى
أحدهما على الآخر وإلا صار قانطا أو متواكلا .
هامش
( 258 ) هذا الحديث رواه النسائي في سننه ( 4 / 100 برقم 2055 ) فقال : أخبرنا إسحق بن إبراهيم
قال حدثنا عمر بن محمد العنقزي قال حدثنا ابن إدريس عن عبد الله عن نافع عن
ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هذا الذي تحرك له العرش ( يعني سعد بن
معاذ ) ، وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألف ملك لقد ضم ضمة ثم فرج
عنه " وكذا رواه ابن حبان في صحيحه ( 7 / 379 ) ورجاله ثقات وظاهر إسناده الصحة
إلا أنه غريب وشاذ ومشكل عندي ككثير من الأحاديث التي حكم عليها العلماء
بالشذوذ وبعضها في الصحيحين ، وذلك لأمرين ، الأول : أنه معارض بالقرآن كما
ذكرنا ، والثاني : أن نافعا يرويه تارة عن امرأة ابن عمر عن السيدة عائشة كما في
مسند أحمد ( 6 / 55 ) وفيه ما يدل على اضطراب القضية ، وتارة عن ابن عمر ، وروي
أيضا من حديث سيدنا حذيفة عند أحمد ( 5 / 407 ) بسند ضعيف . والثالث : أن هناك
أحاديث عديدة تكلمت عن الميت المؤمن والكافر وما يلقيان ولم تتعرض البتة لضمة
القبر وضغطته بل تعرضت الأحاديث التي بعضها في البخاري ومسلم إلى أن القبر
يفسح عليه ، وصاحبا الصحيحين لم يخرجا حديث الضغطة في صحيحهما مع أن
إسناده على شرط مسلم ، وهذا الأمر معتبر إذا ضم إلى ما قبله من التعليل .
وقد روى الطبراني ( 4 / 121 ) عن أبي أيوب مرفوعا : " لو أفلت أحد من ضمة القبر
لأفلت هذا الصبي " قلت : ولا يثبت لأن في سنده حماد بن سلمة عن غير ثابت ،
وهذا غير معقول مع الآيات التي ذكرناها ولأن الصبي ليس مكلفا ، وهو آحاد غير
متواتر فلا يبنى عليه أصل في الاعتقاد ، وقد نص الدارقطني أن هذا الحديث مرسل
غلط بعض الرواة فجعله متصلا وقد تقدم الكلام في هذا مفصلا .