سر الله تعالى ، يودعه قلب من شاء من عباده ، فأول قلب أودعه قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه
أول الأنبياء خلقا ، وصورته آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء ، عليهم السلام ، فهو أولهم
وآخرهم ، وقد جعل الله تبارك وتعالى أخلاق القلوب للنفوس أعلاما على أسرار القلوب ، فمن
تحقق قلبه بسر الله تعالى اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله تعالى ، ولذلك جعل الله تعالى
لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جثمانية اختص بها من بين سائر العالمين ، فتكون علامات اختصاص
جثمانية آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة ، وعظم خلقه ، وتكون علامات عظم أخلاقه آيات
على أسرار قلبه المقدس .
الخامس : قال الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمه الله تعالى في العوارف : لا يبعد
أن قول عائشة رضي الله تعالى عنها : كان خلقه القرآن - فيه أمر غامض وإيماء خفي إلى
الأخلاق الربانية ، فاحتشمت من الحضرة الإلهية أن تقول : كان متخلفا بأخلاق الله تعالى ،
فعبرت عن المعنى بقولها : كان خلقه القرآن ، استحياء من سبحات الجلالة ، وسترا للحال
بلطف المقال ، وهذا من موفور عقلها ، وكمال أدبها ، وقال غيره : أرادت بذلك اتصافه بما فيه
من الاجتهاد في طاعة الله تعالى ، والخضوع له ، والانقياد لأمره ، والتشديد على أعدائه ،
والتواضع لأوليائه ، ومواساة عباده ، وإرادة الخير لهم ، إلى غير ذلك من أخلاقه الفاضلة .
وقال آخر : فكما أن معاني القرآن لا تتناهى فكذلك أوصافه الحميدة الدالة على حسن
خلقه العظيم لا تتناهى ، إذ في كل حال من أحواله يتجدد له الكثير من مكارم الأخلاق ،
ومحاسن الشيم ، وما يفيضه الله عز وجل عليه من معارفه ، وعلومه ، مما لا يعلمه إلا الله تعالى ،
فإذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان ، ولا من
ممكنات عادته .
السادس : قول عائشة رضي الله تعالى عنها : ما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه أي خاصة ، فلا يرد
أمره بقتل عبد الله بن خطل ، وعقبة بن أبي معيط ( 1 ) ، وغيرهما ممن كان يؤذيه ، لأنهم كانوا مع
ذلك ينتهكون حرمات الله تعالى .
وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي من جفاء من رفع صوته عليه ، والذي جبذ بردائه ،
حتى أثر في كتفه ، وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال ، قال : وأما العرض فقد
اقتص ممن نال منه قال : واقتص ممن لده في مرضه بعد نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، بأن أمر بلدهم ،
هامش
( 1 ) عقبة بن أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس : من مقدمي قريش في الجاهلية . كنيته أبو الوليد ، وكنية أبيه أبو معيط .
كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة ، فأسروه يوم بدر وقتلوه ثم صلبوه ، وهو أول مصلوب في الإسلام .
توفي 2 ه . الأعلام 4 / 240 .