تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
سفيان ، فقاتلا حتى قتلا ، فأتي بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدفنا في قبر واحد ، فهما الشهيدان القرينان . وركب فرسا له ومعه عدة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ، فارتاد موضعا ينزله ، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سلعا الجبل خلف ظهره ، ويخندق من المذاد إلى ذباب إلى راتج ، فعمل يومئذ في الخندق ، وندب الناس وخبرهم بدنو عدوهم وعسكرهم إلى سفح سلع وجعل المسلمون يعملون مستعجلين ، يبادرون قدوم العدو عليهم ، واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرازين ومكاتل للحفر . ووكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل جانب من الخندق قوما يحفرونه ، فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب ، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل أبي عبيدة . وروى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أجم الشيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا . وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي ، وكان رجلا قويا ، فقال المهاجرون : سلمان منا ! وقالت الأنصار : سلمان منا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلمان من أهل البيت " . وكان سلمان يعمل عمل عشرة رجال " ، حتى عانه قيس بن أبي صعصعة فلبط به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مروه فليتوضأ له ، وليغتسل به سلمان ، وليكفأ الاناء خلفه ، ففعل فكأنما حل من عقال " . قال أنس بن مالك : وحفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمل التراب على ظهره ، حتى أن الغبار علا ظهره وعكنه . وقالت أم سلمة رضي الله عنها : ما نسيت يوم الخندق ، وهو يعاطيهم اللبن ، وقد اغبر شعره ، تعني النبي صلى الله عليه وسلم . رواه الإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى . وروى محمد بن عمر عن البراء رضي الله عنه قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل التراب على ظهره ، حتى حال التراب بيني وبينه وإني لأنظر إلى بياض بطنه . وكان من فرغ من المسلمين من حصته عاد إلى غيره فأعانه حتى كمل الخندق . ولم يتأخر عن العمل في الخندق أحد من المسلمين ، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ينقلان التراب في ثيابهما - إذ لم يجدا مكاتل - من العجلة ، وكانا لا يفترقان في عمل ، ولا مسير ولا منزل .