قاتلك الله ، يا عدو الله ، نافقت . ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال : والله لولا أني لا أدري ما
يوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك لأنفذت خصيتك بالرمح يا عدو الله فلم خرجت معنا وهذا
في نفسك ؟ قال : خرجت لأطلب من عرض الدنيا ، ولعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن
الناقة ، يخبرنا عن أمر السماء . ووقعوا به جميعا ، وقالوا : والله لا يكون منك سبيل أبدا ، ولا يظلنا
وإياك ظل أبدا ، ولو علمنا ما في نفسك ما صحبتنا [ ساعة من نهار ] فوثب هاربا منهم أن يقعوا
به ، ونبذوا متاعه ، فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس معه فرارا من أصحابه متعوذا به ، وقد
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما قال من السماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يسمع : " إن رجلا
من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وقال : " ألا يخبره الله بمكانها ؟ ، فلعمري
إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة " ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى ، وإن الله تعالى قد
أخبرني بمكانها ، وإنها في هذا الشعب مقابلكم ، قد تعلق زمامها بشجرة ، فاعمدوا نحوها ( 3 ) .
فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر المنافق إليها سقط في يده ، فقام
سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه ، فإذا رحله منبوذ ، وإذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من
مجلسه ، فقالوا له حين دنا : لا تدن منا ! فقال : أكلمكم ، فدنا فقال : أنشدكم الله - وفي لفظ :
أذكركم الله - هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره بالذي قلت ؟ قالوا : لا ، والله ، ولا قمنا من
مجلسنا ، قال : فإني قد وجدت عند القوم ما تكلمت به ، وتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخبرهم
بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه قد أتي بناقته ، وقال : إني قد كنت في شك من شأن محمد ،
فأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكأني لم أسلم إلا اليوم . قالوا : فاذهب إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك . فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستغفر له ، واعترف بذنبه . قال ابن
عمر : ويقال : إنه لم يزل فشلا حتى مات ، وصنع مثل هذا في غزوة تبوك .
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي العقيق تقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي ، فجعل
يتصفح الركاب حتى مر أبوه ، فأناخ به ، ثم وطئ على يد راحلته فقال أبوه : ما تريد يا لكع ؟
قال : والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لتعلم أيهما الأعز من الأذل : أنت أم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فمن مر به من المسلمين يرفده عبد الله بن عبد الله ويمنع غير ذلك ، فيقول :
تصنع هذا بأبيك ؟ ! حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه ، فقيل : عبد الله بن عبد الله بن أبي
يأبى أن يأذن لأبيه حتى تأذن له ، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله واطئ على يد راحلة أبيه ،
وابن أبي يقول : لأنا أذل من الصبيان ، لأنا أذل من النساء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خل عن
أبيك " ، فخلى عنه .
ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقيع - وهو بالنون - منصرفه من المريسيع ورأى سعة وكلا
سبل الهدى والرشاد — صفحة 352
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٣٥٢