وقال ابن إسحاق وابن عمر وابن سعد وابن عائذ وجل أهل المغازي : إن عمرو بن أمية
الضمري رضي الله عنه أقبل من بئر معونة حتى إذا كان بقناة لقي رجلين من بني عامر بن
صعصعة ، قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وادعهما ، فنسبهما فانتسبا ، فقال معهما حتى إذا ناما وثب
عليهما فقتلهما ، ثم خرج حتى ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدر حلب شاة ، فأخبره خبرهما ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بئس ما صنعت - قد كان لهم منا أمان [ وعهد ] " فقال : ما شعرت ،
كنت أراهما على شركهما ، وكان قومهما قد نالوا منا ما نالوا من الغدر بنا ، وجاء بسلبهما ، فأمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبهما فعزل ، حتى يبعث به مع ديتهما . وكان بين بني النضير وبين بني عامر
عقد وحلف ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت فصلى في مسجد قباء ، ومعه رهط من
المهاجرين والأنصار ، ثم جاء بني النضير ومعه دون العشرة من أصحابه ، فوجدهم في ناديهم ،
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية ،
فقالوا : نفعل يا أبا القاسم ما أحببت ، قد آن لك أن تزورنا وأن تأتينا ، اجلس حتى تطعم وترجع
لحاجتك ، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئتنا به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مستند إلى بيت من
بيوتهم ، ثم خلا بعضهم ببعض فتناجوا ، فقال حيي بن أخطب : يا معشر يهود قد جاءكم
محمد في نفر من أصحابه لا يبلغون عشرة - ومعه أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، والزبير ،
وطلحة ، وسعد بن معاذ ، وأسيد بن الحضير ، وسعد بن عبادة - فاطرحوا عليه حجارة من فوق
هذا البيت الذي هو تحته فاقتلوه ، ولن تجدوه أخلى منه الساعة ، فإنه إن قتل تفرق عنه أصحابه ،
فلحق من كان معه [ من قريش ] بحرمهم ، وبقي من كان هاهنا من الأوس والخزرج ، فما كنتم
تريدون أن تصنعوا يوما من الدهر فمن الآن ، فقال عمرو بن جحاش - بفتح الجيم وتشديد
الحاء المهملة وآخره شين معجمة - النضري : إذا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة ، قال
سلام بن مشكم : يا قوم أطيعوني هذه المرة وخالفوني الدهر ، والله لئن فعلتم ليخبرن بأنا قد
غدرنا به ، وإن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه ، فلا تفعلوا ، وهيأ عمرو بن جحاش الصخرة
ليرسلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدحرجها ، فلما أشرف بها جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من
السماء بما هموا به ، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا ، كأنه يريد حاجة ، وتوجه نحو المدينة ،
وجلس أصحابه يتحدثون وهم يظنون أنه قام يقضي حاجة .
وروى عبد بن حميد عن عكرمة ، قال : فبينما اليهود على ذلك إذ جاء جاء من اليهود
من المدينة فلما رأى أصحابه يأتمرون بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لهم : ما تريدون ؟ قالوا : نريد أن
نقتل محمدا ونأخذ أصحابه ، فقال لهم : وأين محمد ؟ قالوا : هذا محمد قريب ، فقال لهم
صاحبهم : والله لقد تركت محمدا داخل المدينة ، فسقط في أيديهم . واستبطأ الصحابة الذين
كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم ، وراث عليهم خبره ، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر : ما
سبل الهدى والرشاد — صفحة 318
مساهمون: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
ص٣١٨