تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
وجاءت أم سعد بن معاذ ، وهي كبشة بنت رافع تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وقف على فرسه ، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه ، فقال سعد : يا رسول الله ! أمي ! ، فقال : " مرحبا بها " ، فدنت حتى تأملت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت : أما إذ رأيتك سالما فقد أشوت المصيبة ، فعزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرو بن معاذ ابنها ، ثم قال : " يا أم سعد ، أبشري وبشري أهليهم : أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا ، وقد شفعوا في أهليهم " قالت : رضينا يا رسول الله ، ومن يبكي عليهم بعد هذا ؟ ثم قالت : يا رسول الله ادع لمن خلفوا فقال : " اللهم أذهب حزن قلوبهم ، واجبر مصيبتهم ، وأحسن الخلف على من خلفوا " ، ثم قال : " خل يا أبا عمرو - يعني سعد بن معاذ - الدابة " ، فخلى سعد الفرس ، فتبعه الناس ، فقال : " أبا عمرو إن الجراح في أهل دارك فاشية ، وليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك ، فمن كان مجروحا فليقر في داره وليداوا جرحه ، ولا يبلغ معي بيتي ، عزيمة مني " . فنادى فيهم سعد : عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم جريح من بني عبد الأشهل ، فتخلف كل مجروح ، فباتوا يوقدون النيران ، ويداوون الجرحى ، ومضى سعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء بيته ، فما نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ، عن فرسه إلا حملا ، واتكأ على سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ، حتى دخل بيته ، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة ، فقال : " اغسلي عن هذا دمه ، فوالله لقد صدقني اليوم " ، وناولها علي بن أبي طالب سيفه ، فقال : " وهذا ، فاغسلي عنه دمه ، فوالله لقد صدقني اليوم " ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة " . وروى الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء علي بسيفه يوم أحد وقد انحنى ، فقال لفاطمة : هاك السيف حميدا ، فإنه قد شفاني اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لئن أجدت الضرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف ، وأبو دجانة ، وعاصم بن ثابت ، والحارث بن الصمة " . قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم أن ابن أبي نجيح قال : نادى مناد يوم أحد : لا سيف إلا ذو الفقا * ر ولا فتى إلا علي يعني بذي الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي غنمه يوم بدر ، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد . ولما أذن بلال بصلاة المغرب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على تلك الحال ، يتوكأ على السعدين ، فصلى بهم ، ثم عاد إلى بيته . ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه ونساء قومه ، فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يبكين حمزة بين المغرب