ذهبها وفضتها وجميع زخرفها وزينتها . ثم وعد باتباع الوحي والقرآن قصور الذهب في الجنة
قال صلى الله عليه وسلم : ( جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ) وفي التنزيل : ( يطاف عليهم بصحاف من
ذهب ) [ الزخرف 71 ] فكأن ذلك الذهب يشعر بالذهب الذي يصير إليه من اتبع الحق
والقرآن ، وأوصافه تشعر بأوصاف الحق والقرآن ، ولفظه يشعر بإذهاب الرجس . كما تقدم .
فهذه حكم بالغة لمن تأمل ، واعتبار صحيح لمن تدبر .
وزاد غيره أن الذهب من جوالب السرور وقال الشاعر :
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها * لو مسها حجر مسته سراء ( 1 )
الثالث عشر : قال النووي رحمه الله تعالى : ليس في هذا الخبر ما يوهم جواز استعمال
إناء الذهب والفضة لأن هذا فعل الملائكة واستعمالهم ، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا
ولأنه كان قبل تحريم النبي صلى الله عليه وسلم أواني الذهب والفضة . انتهى .
أي لأن التحريم إنما وقع بالمدينة كما نبه عليه الحافظ .
الرابع عشر : يؤخذ من غسل قلبه صلى الله عليه وسلم بماء زمزم أنه أفضل المياه وبه جزم الإمام
البلقيني قال ابن أبي جمرة : إنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها
من الجنة ثم استقر في الأرض ، فأريد بذلك بقاء بركته صلى الله عليه وسلم في الأرض .
وقال غيره : لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل صلى الله عليه وسلم وقد ربي عليه ونما عليه
قلبه وجسده وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة ، ناسب أن يكون ولده الصادق
المصدوق كذلك . ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك بعده فإنه قد صارت الولاية إليه
في الفتح فجعل السقاية للعباس وولده وحجابة البيت لعثمان بن شيبة وعقبه إلى يوم القيامة .
الخامس عشر : الحكمة في غسل صدره صلى الله عليه وسلم بماء الثلج والبرد هي مع ما فيهما من
الصفاء وعدم التكدر بالأجزاء الترابية التي هي محل الأرجاس وعنصر الأكدار ، الإيماء إلى أن
الوقت يصفو له صلى الله عليه وسلم ولأمته ويروق بشريعته الغراء وسنته ، والإشارة إلى ثلوج صدره أي
انشراحه بالنصر على أعدائه والظفر بهم والإيذان ببرودة قلبه ، أي طمأنينته على أمته بالمغفرة
لهم والتجاوز عن سيأتهم .
وقال ابن دحية : إنما غسل قلبه صلى الله عليه وسلم بالثلج لما يشعر به الثلج من ثلج اليقين إلى قلبه .
وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول بين التكبير والقراءة : ( اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والبرد ( 2 ) ) وأراد
هامش
( 1 ) البيت لأبي نواس انظر الأغاني 4 / 200 .
( 2 ) أخرجه البخاري 11 / 180 حديث ( 6868 ) ومسلم 4 / 2078 حديث ( 48 - 2705 ) .