الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان ، فإن هذا نوع محاربة ، والمحارب لا يتم له
الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين : أن يكون السلاح صحيحا في نفسه جيدا ، وأن يكون
الساعد قويا ، فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل ، فكيف إذا عدم الأمران جميعا :
يكون القلب خرابا من التوحيد ، والتوكل ، والتقوى ، والتوجه ، ولا سلاح له .
والثاني : من جهة المعالج ، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضا ، حتى أن من المعالجين
من يكتفي بقوله : ( اخرج منه ) . أو بقول : ( بسم الله ) ، أو بقول : ( لاحول ولا قوة إلا بالله ) ،
والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : ( اخرج عدو الله أنا رسول الله ) ( 1 ) .
وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ، ويقول : قال لك
الشيخ : أخرجي ، فإن هذا لا يحل لك ، فيفيق المصروع ، وربما خاطبها بنفسه وربما كانت
الروح ماردة فيخرجها بالضرب ، فيفيق المصروع ولا يحس بألم ، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه
ذلك مرارا .
وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا
ترجعون ) [ المؤمنون 115 ] .
وحدثني أنه قرأها مرة أذن المصروع ، فقالت الروح : نعم ، ومد بها صوته . قال :
فأخذت له عصا ، وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب ، ولم يشك
الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب . ففي أثناء الضرب قالت : أنا أحبه ، فقلت لها : هو لا
يحبك ، قالت : أنا أريد أن أحج به ، فقلت لها : هو لا يريد أن يحج معك ، فقالت : أنا أدعه كرامة
لك ، قال : قلت : لا ولكن طاعة لله ولرسوله ، قالت : فأنا أخرج منه ، قال : فقعد المصروع
يلتفت يمينا وشمالا ، وقال : ما جاء بي إلى حضرة الشيخ ؟ قالوا له : وهذا الضرب كله ؟ فقال :
وعلى أي شئ يضربني الشيخ ولم أذنب ، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة .
وكان يعالج بآية الكرسي ، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها ، وبقراءة
المعوذتين .
وبالجملة فهذا النوع من الصرع ، وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل
والمعرفة ، وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم ، وخراب قلوبهم
وألسنتهم من حقائق الذكر ، والتعاويذ ، والتحصنات النبوية والإيمانية ، فتلقى الروح الخبيثة
الرجل أعزل لا سلاح معه ، وربما كان عريانا فيؤثر فيه هذا .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 4 / 170 - 172 .