الباب الثاني عشر
في سيرته - صلى الله عليه وسلم
في علاج الصرع
أخرجا في ( الصحيحين ) من حديث عطاء بن أبي رباح ، قال : قال ابن عباس : ألا أريك
امرأة ما أهل الجنة ؟ قلت : بلي . قال : هذه المرأة السوداء ، أتت النبي فقالت : إني أصرع ، وإني
أتكشف ، فادع الله لي ، فقال : ( إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله لك أن
يعافيك ) ، فقالت : أصبر . قالت : فإني أتكشف ، فادع الله أن لا أتكشف ، فدعا لها ( 1 ) .
قلت : - والقائل ابن القيم - الصرع صرعان : صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية ، وصرع
من الأخلاط الرديئة . والثاني : هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه .
وأما صرع الأرواح ، فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ، ولا يدفعونه ، ويعترفون بأن علاجه
بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة ، فتدافع آثارها ، وتعارض
أفعالها وتبطلها ، وقد نص على ذلك بقراط في كتبه ، فذكر بعض علاج الصرع ، وقال :
هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة . وأما الصرع الذي يكون من الأرواح ،
فلا ينفع فيه هذا العلاج .
وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم ، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة ، فأولئك ينكرون صرع
الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع ، وليس معهم إلا الجهل ، وإلا فليس في
الصناعة الطيبة ما يدفع ذلك ، والحس والوجود شاهد به ، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض
الأخلاط ، هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها .
وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع : المرض الإلهي ، وقالوا : إنه من الأرواح ، وأما
جالينوس وغيره ، فتأولوا عليهم هذه التسمية ، وقالوا : إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه
العلة تحدث في الرأس ، فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ .
وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها ، وتأثيراتها ، وجاءت زنادقة
الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده .
ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم .
وعلاج هذا النوع يكون بأمرين : أمر من جهة المصروع ، وأمر من جهة المعالج ، فالذي
من جهة المصروع يكون بقوة نفسه ، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها ، والتعوذ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 10 / 99 في المرض : باب من يصرع من الريح ، من الريح ، ومسلم ( 2265 ) .