تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سبل الهدى والرشاد — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى : مشى رجال باليقين على الماء ، ومات بالعطش أفضل منهم ، لأنهم يقصدون ادخار الكرامة للآخرة ، ويدلك على ما ذكرنا من أن الكرامة لا تدل على الأفضلية كثرة الكرامات ، بعد زمن الصحابة . قال الإمام أحمد بن حنبل : وذلك لان ايمان الصحابة قوي بخلاف ايمان من بعدهم فاحتاجوا إلى زيادة تقوى ايمانهم ، وأيضا فلأن الزمان الأول كثير النور لا يفتقرون لزيادة تقوى ، ولو حصلت لم تظهر لاضمحلالها في زمن النبوة بخلاف الظلام ، والنجوم لا يظهر لها ضوء مع الشمس ، ولهذا قال بعض المشايخ في مريم ابنة عمران رضي الله عنها : انها كانت في بدايتها يصرف إليها بخرق العادة بغير سبب ، تقوية لايمانها ، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، قال : يا مريم أنى لك هذا ؟ قالت : هو من عند الله ، ولما قوي ايمانها ردت البيت ، فقيل لها : ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ) ( مريم 25 ) ، ولهذا سأل موسى ربه مع كمال رتبته بقوله : ( رب أرني أنظر إليك ) ( الأعراف 143 ) ( لما أنزلت إلي من خير فقير ) ( القصص 24 ) قال علي وغيره : والله ، ما طلب الا خبزا يأكله ، ونادى باسم الربوبية ، فان الرب من رباك باحسانه ، وغناك بانعامه ، فان قلت : فلأي شئ لم يطلب الخليل عليه الصلاة والسلام حين رمي بالمنجنيق في النار ، قد تعرض له جبريل ، وقال : ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا ، وأما إلى الله فلي ، قال : سله قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ؟ فالجواب : أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعاملون كل مقام بما يفهمون عن الله تعالى أنه الأليق بهم ، ففهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن مراد الحق في ذلك المقام ، عدم اظهار الطلب والاكتفاء بالعلم ، فكان فهمهه لان الحق أراد أن يظهر من قوله : ( اني أعلم ما لا تعلمون ) ( البقرة 30 ) في جواب ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) ( البقرة 295 ) قال سيدي أبو الحسن الشاذلي فكأنه يقول : يا من ؟ قال : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء كيف رأيتم إبراهيم خليلي ؟ وانما تصدر الكرامة على طريق الالتفات من غير قصد وأن يكون لمصلحة ، والأمانة توجب عليه ستر الكرامة واخفاءها ، نص على ذلك القشيري وغيره ، وقد يكون بقلب العين وهي الأرض وكلام الجماد ، وبرء العلل ، ونبع الماء والاطلاع على الضمائر ، وجفاف البحر ، وكلام الموتى ، ففي رسالة الشيخ أبي القاسم القشيري رحمه الله تعالى باسناده أن أبا عبيدة السري رحمه الله تعالى غزا سنة ، فجرح في السرية فمات المهر ، وهو في السرية فقال : يا رب ، أعرني إياه إلى ( بسر يعني قريته ) فإذا المهر قائم ، فلما غزا ورجع قال لابنه خذ السرج عن المهر ، فقال : انه عرق ، فقال : انه عارية ، فلما أخذ السرج وقع ميتا .