ورام استراق السمع جن فزيلت ( 1 ) * مقاعدهم منها رجوم الكواكب
هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له * لطول العمى عن موضحات المذاهب
وجاء بآيات تبين أنها * دلائل جبار مثيب معاقب
فمنها انشقاق البدر حتى تعممت * شعوب الضياء منه رؤوس الأخاشب
ومنها نبوع الماء بين بنانه * وقد عدم الوارد قرب المشارب
فزوى بها جما ( 2 ) غفيرا وأشهلت * بأعناقه طوعا أكف المذانب ( 3 )
وبثر طغت بالماء من مس سهمه * ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب
وضرع مراه ( 4 ) فاستدر ولم يكن * به درة تصغي إلى كف حالب
ونطق فصيح من ذراع مبينة * لكيد عدو للعداوة ناصب
وإخباره بالأمر من قبل كونه * وعند مباديه بما في العواقب
ومن يلكم الآيات وحي أتى به * قريب المآتي مستجم ( 5 ) العجائب
تقاصرت الأفكار عنه فلم تطع * بليغا ولم يخطر على قلب خاطب
حوى كل علم واحتوى كل حكمة * وفات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن روية مرتئ * ولا صحف مشتمل ولا وصف كاتب
يواتيه طورا في إجابة سائل * وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب
وإتيان برهان وفرض شرائع * وقص أحاديث ونصب مآدب
وتصريف أمثال وتثبيت حجة * وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب
وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى ( 6 ) * وعند حديث المعضلات الغرائب
فيأتي على ما شئت من طرقاته * كريم المعاني مستدر الصوائب
وصدق منه البعض بعضا كأنما * يلاحظ معناه بعين المراقب
وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما * وصفناه معلوم بطول التجارب
هامش
( 1 ) قال القتيبي في تفسير قوله تعالى : " فزيلنا " : أي فرقنا ، وهو في البيت بزنة فعلت للفعل زيل : زلت الشئ من مكانه أزيله
زيلا : لغة في أزلته اللسان 2 / 1901 .
( 2 ) الجماء الغفير : جماعة الناس وجاء واجما غفيرا ، وجماء الغفير والجماء الغفير أي بجماعتهم اللسان 1 / 688 ، الوسيط
1 / 137 .
( 3 ) قال ابن الأعرابي : المذنب الطويل وقال الجوهري : والمذنب مسيل الماء في الحضيض والمذنبة المذنب ،
المغرفة لأن لها ذنبا أو شبه الذنب والجمع مذانب ، انظر اللسان 2 / 1519 ، 1520 ، والمعجم الوسيط 1 / 316 .
( 4 ) انظر الوسيط 2 / 865 .
( 5 ) جمم : الجم والجمم : الكثير من كل شئ ، وما لجم : كثير اللسان . 1 / 686 ، والوسيط 1 / 137 .
( 6 ) الوغى : الصوت ، وقيل : الوغى الأصوات في الحرب مثل الوغى ثم كثر ذلك حتى سموا الحرب وغى ، اللسان
6 / 4880 .