فاستأنف لوقته خطبة أخرى * وختمها بهذه الأبيات التي كست فنون
القريض فخراً وهي قوله
ناشدتك اللّه إلا ما نظرت إلى * صنيع ما ابتدأ الباري وما ابتدعا
تجد صفيح سماء من زمردة * خضراء فيها فريد الدر قد رصعا
ترى الدراري بذاتين الجناح فما * يجدن غب السرى عيا ولا ضلعا
والأرض طاشت ولم تسكن فوقّرها * بالراسيات التي من فوقها وضعا
فقرّ طائشها من بعد ما امتنعا * وانحط شامخها من بعد ما ارتفعا
وأرسل الغاديات المعصرات لها * فقهقهت ملاء ثم اكتست خلعا
هذا ونفسك لو أمّ الخبير لها * لأرتد عنها كليل الطرف وارتدعا
وليس في العالم العلويّ من أثر * يحير اللب إلا فيك قد جمعا
وهذه الأبيات لو كانت عن روية لا فحمت مصافع الرجال فكيف وهي عن بديهة وارتجال .
وقال يحن إلى الغد ووطنه . حنين النجيب إلى عطنه .
يا ساكني جدّ خفض لا تخطفكم * ربب المنون ولا نالتكم المحن
ولا عدا زاهرات الخصب واديكم * ولا أغب ثراه العارض الهتن
ما الدار عندي ولو ألفيتها سكناً * يرضاه قلبي لولا الألف والسكن
مالي بكل بلاد جئتها سكن * ولي بكل بلاد جئتها وطن
الدهر شاطر ما بيني وبينكم * ظلماً فكان لكم روح ولي بدن
مالي ومالك يا ورقاء لا انعطفت * بك الغصون ولا استعلى بك الفنن
مثير شجوك اطراب صدحت بها * ومصدر النوح منى الهم والحزن
وجيرتي لا أراهم تحت مقدرتي * يوماً والفك تحت الكشح محتضن
هذا وكم لك من أشياء فزت بها * عني وألزمنا في عولة قرن
وقال أيضاً متغزلاً
قالت ترحلت عنا قلت طيفكم * عندي وقلبي لديكم غير منساق
ما فرق الدهر بين اثنين قد علقت * يمين كل من الثاني بميثاق
للّه وقفة توديع شددت بها * برمة من حبال الوصل أخلاقي
جزت بها حدق الحسنا من حدقي * رمزاً واطراقاً باطراق
سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر — صفحة 493
مساهمون: ابن معصوم المدني
ص٤٩٣