بها حتى بلغ عمره المدى . فألبسه المنون رداء الردى . وكان أول ما نظمه في أهل مكة قوله
جيران مكة جيران الاله لذا * لا يعبؤن بمن قد غاب أو حضرا
لولا الطبيعة عافتهم لكان لهم * اسراء روح بسر السرّ قد ظفرا
ثم قال فيهم أيضاً
علما مكة جاوزوا إلا فلاكا * عزاً وحق لهم لعمرك ذاكا
لولا الرئاسة في رؤس نفوسهم * كانوا وحقك كلهم أملاكا
فكان أول من انتدب لجوابه القاضي تاج الدين المالكي فقال مجيباً له عن البيتين الأولين
جيران مكة غرس الدين أينع في * قلوبهم باسقا يهدي الهدى ثمرا
سقوه من أنهر الاخلاص صافيها * فاخضل يطلع من أكمامه زهرا
ومن يكن روض غرس الدين مهجته * أسرى وفاز بسر السر حين سرى
به قد اتحدوا إذ كان بينهم * تواصل معنوي من الست جرى
فحيث دارت كؤوس الاتحاد على * الأرواح ما اعتبروا الأشباح والصورا
فلما بلغته هذه الأبيات كتب إلى القاضي تاج الدين
يا شهم مكة يا تاج الرؤوس بها * يا سهم بك قد بكت من عذرا
يا حبر علم يزيد الطالبين بها * يا بحر فهم به يستخرج الدررا
يا رب حذق غدا رب البيان له * عبداً وألقى عصى التسليم مفتقرا
يا ألمعياً أضاءت من لوامعه * مشارق الذهن بالذوق الذي بهرا
يا لوذعياً بلاعي يمازجه * أعيا وأفحم من قد قال أو شعرا
يا رب ظرف ولطف كسّرا خطا * أغصان غراسي على بعد وما شعرا
هل ترفين الذي أخلقت من حالي * أو تقبلن الذي يأتيك معتذرا
فأجابه القاضي بقوله
كللت إكليل تاجي بالثنا درراً * لما بعثت بعقد المدح معتذرا
مضمخاً طيب شكر عرف نفحته * كروض غرسك حيته الصبا سحرا
غرس من المبدا الفياض قد سقيت * أعراقه فنما يهدي الهدى ثمرا
سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر — صفحة 392
مساهمون: ابن معصوم المدني
ص٣٩٢