وسبق بجواد فهمه الصافنات الجياد . فحلا مبرزاً . وراح لقصبات السبق محرزاً . مع أضلاع بفنون العلوم .
واطلاع على خفايا المنطوق والمفهوم . وديانة وورع . وصيانة فاق فيها وبرع . وأخلاق وشيم .
كأنفاس الرياض غب الديم . كان قد دخل الهند في عنفوان عمره . وابتداء حاله وأمره . فقطن بها خمسة وعشرين عاماً . ثم عاد إلى وطنه وهو يعد عوده فضلاً من الله وإنعاماً . فواجهته بالمخا وهو وارد وأنا صادر . فرأيت منه شخصاً حميد الموارد والمصادر . ولما دخل مكة شرفها الله تعالى أنكر تقلب أمورها . وتغلب ظلم أميرها على مأمورها . ولم ير وجوهاً كان يؤمل الاجتلاء بصباحها ومسائها . فأنشد لسان حاله
أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائها
فانقلب راجعاً إلى المخا . ومكث بها برهة حلف أمن ورخا . ثم انتقل منها إلى فارس . الطيبة المفارع والمغارس . فطنب بها خيامه . وبنى فيها على الإقامة . فأقام به حتى قلت ثروته .
وشارفت الانفصام من الكفاف عروته . فوفد على الوالد الهند عام خمس وسبعين . وورد من منهل أمله العذب المعين . فمضت لنا معه أوقات . حمدنا بها الاجتماع والملاقاة . ولم يزل بها حتى دعاه أجله فلبى . وقضى من الحياة نحباً . فتوفى ليلة الأربعاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وألف رحمه الله تعالى وها أنا مثبت من بهي كلامه . وسني نظامه .
ما تنتشق منه النشر العبهري . وتقتني منه صحاح الجوهري . كان أول وفوده علينا بالديار الهندية أهدى إلي كراسة من نثره ونظمه فكتبت إليه ما صورته
زهر الدراري أم نظام الجوهري * وشذا السلافة أم شميم العبهر
أم زهر روض قد تبسم ضاحكاً * إذ جاده صوب الغمام الممطر
وشذور تبر أم جمان قلائد * تزهو وتزهو في مقلد جؤذر
أم هذه ألفاظ مولى ماجد * ورث البلاغة أكبراً عن أكبر
يزري بنظم الدر باهر نظمه * ويفوق مكره مذاب السكر
فلشعره الشعرى العبور تضاءلت * كرهاً وودت إنها لم تظهر
والنثرة العليا هوت من نثره * خجلاً وقالت ليته لم ينثر
قد أعجز البلغاء معجز أحمد * فنثر كلهم بعجز مقصر
سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر — صفحة 193
مساهمون: ابن معصوم المدني
ص١٩٣