هل هبت الأرواح من ذي ضارج * أم ذا نسيم الغور عاد بنفحته
أم قد ذكرت فروع بانات الحمى * وتجاوب الأطيار فيه بسحرته
إذ رحت تذكرني بلحن مسجع * زمناً حويت الأنس فيه برمته
زمناً أطعت الغيّ فيه وطالما * عاد العذول مكنباً في غصته
زمناً قضيت من الحبيب لبانتي * وجنيت ورداً فائقاً من وجنته
وغديت أسحب في ميادين الهوى * برد الشباب كرائق من سفرته
في كل وقت ألثم القمر الذي * بهر الشموس بنوره وبطلعته
وأقبل الزند الذي شبهته * في نقشه الباهي وكامل بهجته
ببديع طرس مستنير لفظه * جمع المعاني والبيان بصنعته
فكأنه سحر لهاروت غدا * يسبي العقول بسبكه وبرقته
خلت الكواكب أنزلت من أفقها * كيما تعود قلائداً في لبته
أم بدرها العالي تذلل خاضعاً * حتى تراءى غرة في جبهته
إذ كان منشيه وصائغ حليه * علم الأئمة كالشهاب بلمعته
زاكي الشمائل والخصائل منيع * للفضل والأفضال زاخر لجته
مفتاح أبواب المكارم والهدى * نفاح أرواح العبير بشيمته
ومهذب الأخلاف أوار الهدى * حاوي العلوم معظم في رتبته
ارشاد غاويها ومنهاج الذي * منها تعمس فاستنار بفكرته
كشاف مشكلها وقاضي حقها * مصباح عيهبها روائق فطنته
وجواهر البحر المحيط فرائد * سمحت بها أنظار عالي فطرته
ومقلد الأعناق أطواق الندى * من جوده الوافي ووافر منحته
ماذا أقول مجاوباً عن محكم * حار البليغ لما رأى من فطنته
فالعجز درك حيث عز مناله * من كل ذي أدب سما في همته
لكنني أظهرت عيّي راجياً * كتمانه كيلا يبوأ بخجلته
ومؤملاً ستر القبيح بفضل من * حاز الكمال بذاته وبشيمته
فاستر على العبد المؤمل صفحكم * كرماً وفضلاً ما بدا من زلته
لا زلت توليني الجميل تكرماً * وتنال من ذي العرش أوفر نعمته
سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر — صفحة 128
مساهمون: ابن معصوم المدني
ص١٢٨