فثنى الثاني إليه عنان بندقه ، وتوخّاه فيما بين رأسه وعنقه ، فخّر كمارد انقضّ عليه نجم من أفقه ؛ فتلقاه الكبير بالتّكبير ، واختطفه قبل مصافحة الماء ( 1 ) من وجه الغدير .
وقارنته إوزّة حلباء دكناء ، وحلَّتها حسناء ( 2 ) ؛ لها في الفضاء مجال ، وعلى طيرانها خفّة ذوات التّبرّج وخفر ربّات الحجال ؛ كأنّما عبّت في ذهب ، أو خاضت في لهب ؛ تختال في مشيتها كالكاعب ، وتتأنّى في خطوها كاللَّاعب ، وتعطف ( 3 ) بجيدها كالظَّبي الغرير ، وتتدافع في سيرها مشي القطاة إلى الغدير :
إذا أقبلت تمشي فخطرة كاعب
رداح ، وإن صاحت فصولة حازم ( 4 )
وإن أقلعت قالت لها الرّيح : ليت لي
خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم
فأنعم بها في البعد زاد مسافر
وأحسن بها في القرب تحفة قادم !
فلوى الثالث جيده إليها ، وعطف بوجه إقباله ( 5 ) عليها ، فلجّت في ترفّعها ممعنة ، ثم نزلت على حكمه مذعنة ؛ فأعجلها عن استكمال الهبوط ، واستولى عليها بعد استمرار القنوط .
وحاذتها لغلغة تحكي لون وشيها ، وتصف حسن مشيها ، وتربي عليها بغرّتها ، وتنافسها في المحاسن كضرّتها ؛ كأنها مدامة قطبت بمائها ، أو غمامة شفّت عن بعض نجوم سمائها :
بغرّة بيضاء ميمونة
تشرق في اللَّيل كبدر التّمام !
وإن تبدّت في الضّحى خلتها
في الحلَّة الدّكناء برق الغمام !
هامش
( 1 ) في حسن التوسّل : « مصافحته الماء » .
( 2 ) في حسن التوسل : « إوزة حلَّتها دكناء ، وحليتها حسناء » .
( 3 ) في حسن التوسل : « وتعطو » .
( 4 ) في حسن التوسل : « خادم » . وهنا أوضح .
( 5 ) في حسن التوسل : « قوسه » .