إذا لاح بازي الصّبح ولَّت يؤمّها
إلى الغرب خوفا منه نسر ومرزم !
إلى حدائق ملتفّة ، وجداول محتفّة ؛ إذا خمش النّسيم غصونها اعتنقت اعتناق الأحباب ، وإذا فرك مرّ المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب ، ورقصت في المناهل رقص الحباب ؛ وإن لثم ثغور نورها حيّته بأنفاس المعشوق ، وإن أيقظ نواعس ورقها غنّته بألحان المشوق ؛ فنسيمها وان ، وشميمها لعرف الجنان عنوان ، ووردها من سهر نرجسها غيران :
وطلَّها في خدود الورد منبعث
طورا وفي طرر الرّيحان حيران !
وطائرها غرد ، وماؤها مطَّرد ؛ وغصنها تارة يعطفه النّسيم إليه فينعطف ، وتارة [ يعتدل ] ( 1 ) تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف ؛ مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين التّرتيب ، إذ كلَّما اعتلّ النّسيم صحّ الأرج وكلَّما خرّ الماء شمخ القضيب :
فكأنّما تلك الغصون إذا ثنت
أعطافها ريح ( 2 ) الصّبا أحباب :
فلها إذا افترقت من استعطافها
صلح ومن سجع الحمام عتاب
وكأنّها حول العيون موائسا
شرب وهاتيك المياه شراب !
فغديرها كأس وعذب نطافها
راح وأضواء النّجوم حباب !
يحيط بملق نطاقها صاف ، وظلال دوحها ضاف ، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكد وفي رأي العين طاف ؛ إذا دغدغها النّسيم حسبت ماءها بتمايل الظَّلال فيه يتبرّج ويميل ؛ وإذا طَّردت عليه أنفاس الصّبا ظننت أفياء تلك الغصون تارة تتموّج وتارة تسيل : فكأنه محبّ هام بالغصون هوى فمثّلها في قلبه ، وكأنّ النسيم كلف بها غار من دنوّها إليه فميلها عن قربه :
هامش
( 1 ) في الطبعة الأميرية : « يعلَّل » . وما أثبتناه من حسن التوسل .
( 2 ) في حسن التوسّل : « رسل » .