فتلوت عليه هاتين الآيتين : * ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها ولا تَضْحى ) * ( 1 ) . وأحسبه رأى نور السّؤدد فقال لمخلَّفيه ، ما قاله موسى صلَّى اللَّه عليه لأهليه : * ( إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ) * ( 2 ) ، فليت شعري : ما يطلب ؟ أقبس ذهب ؟ أم قبس لهب ؟
بل يتشرّف بالأخلاق الباهرة ، ويتبرك بالأحساب الطاهرة :
باتت حواطب ليلى يقتبسن ( 3 ) لها
جزل الجذا غير خوّار ولا دعر !
( 4 ) وقد آب من سفرته الأولى ومعه جذوة من نار قديمة : إن لمست فنار إبراهيم ، أو أونست فنار الكليم ؛ واجتنى بهارا حبت به المرازبة كسرى ، وحمل في فكاك الأسرى ، وأدرك نوحا مع القوم ، وبقي غضّا إلى اليوم ؛ وما انتجع موسى إلا الرّوض العميم ، ولا اتّبع إلا أصدق مقيم ( 5 ) ؛ وورد عبده الزّهيريّ من حضرته المطهّرة وكأنّه زهرة بقيع ( 6 ) ، أو وردة ربيع ، كثيرة الورق ، طيّبة العرق ؛ وليس هو في نعمته كالرّيم ، في ظلال الصّريم ( 7 ) ؛ والجاب ، في السّحاب المنجاب ( 8 ) ؛ لأن الظلام يسفر ، والغمام ينسفر ؛ ولكنّه مثل النّون في اللَّجّة ، والأعفر تحت جربة ( 9 ) .
هامش
( 1 ) طه / 118 - 119 .
( 2 ) طه / 10 .
( 3 ) في البكر باذي « يلتمسن » .
( 4 ) الحواطب : الإماء اللواتي يحتطبن ؛ والجزل : ما غلظ من الحطب ؛ والجذا : جمع جذوة وهو عود فيه نار ، والخوّار : الذي لا قوّة له ؛ والدعر : الكثير الدخان .
( 5 ) في البكر باذي « مغيم » وأغيم الأفق : إذ لبسه الغيم .
( 6 ) في البكر باذي : « نقيع » . ونقيع : مكان يستنقع فيه الماء .
( 7 ) الصريم : الليل . ويقال للرمل المنقطع من سواه صريم .
( 8 ) الجأب : حمار الوحش الغليظ . والمنجاب : المنكشف .
( 9 ) النون : السمكة ؛ والأعفر : ظبي يعلو بياضه حمرة ؛ وجربة : من أسماء السماء معرفة لا تدخلها ألف ولام .