تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
الأوصاب ، ووصل به سببك إلى رحمته يوم تنقطع الأسباب ، وأصبح محلَّك في الدارين آهلا أثيرا ، وكنت ممن قال اللَّه فيه : * ( ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * ( 1 ) . وقد خالطت في مواكب أمير المؤمنين المعقّبات التي من بين يديه ومن خلفه ، وقربت من مجالسه المشتملة منه على عنوان عناية اللَّه بالبريّة ولطفه ، ونوره الذي كلَّت العيون عن كشفه والحيل عن كسفه ، وتقدّمت بخدمة الخلفاء الراشدين ، أمراء المؤمنين ، إلى سوابق سبقت بها في كل مضمار ، وجمعت في المخالصة فيها بين الإعلان والإضمار ، وسبر التجريب حالتيك بصحائف خبرة ، واستمرّت بك الحال في القرب منهم وفي تقلَّب الأحوال عبرة ، وتدرّجت في حجب القصور ، وبدت لك الغايات فما كنت عنها ذا قصور ؛ فكانت التّقدمة لك مظنونة وبك مضمونة ، وسريرتك على الأسرار المصونة مأمونة ، وما اعوجّت معالم إلا وكان تقويمها بتقويمك ، ولا استيقظت حيلة فخاف الحقّ سبيل غيّها بتهويمك ( 2 ) ؛ وإنّ كل قائل لا يملك من إصغاء أمير المؤمنين ما تملك بتلاوة الذّكر الحكيم ، ولا يسلك من قلبه ما تسلك بمعجز جدّه العظيم ؛ فأنت تخدم أمير المؤمنين بقلبك مواليا ، وبلسانك تاليا ، وبنظرك مؤتمنا ، وبيدك مختزنا ، لا جرم أنك حصدت ما زرعت طيّبا ، وسقاك ما استمطرت صيّبا ، وزفّت لك الأيادي بكرا وثيّبا ، وحللت يفاع المنازل مستأنسا إذا حلّ غيرك وهداتها متهيبا . فأمّا حرمتك التي بوّأتك من الاختصاص حرما ، وجعلتك بين الخواصّ علما ، وتوالي يدك بلمس ما حظي من الملابس بصحبة جسده الطاهر ، واشتمل على زهر النّضار وزهر الجواهر ، فذلك جار مجرى السّكة والدّعوة في أنهما أمانة تعم العباد والبلاد ، وهذه أمانة تخصّ النّفوس والأجساد ، ولك مما في خزانته وكالة
هامش
( 1 ) البقرة / 269 . ( 2 ) التهويم : النوم الخفيف . والمراد أنه لا ينام عن إبطال كل حيلة .