المهيع الرابع ( في المكاتبة إلى صاحب الهند والسّند )
وقد ذكر في « التعريف » أن صاحبه في زمانه كان اسمه أبا المجاهد محمد بن طغلقشاه ( 1 ) ثم قال : وهو أعظم ملوك الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ، وبرّا وبحرا ، وسهلا وقفرا ؛ وأن سمته في بلاده « الإسكندر الثاني » ثم قال : وتاللَّه إنه يستحقّ أن يسمّى بذلك ويوسم به : لاتّساع بلاده ، وكثرة أعداده ، وغزر أمداده ؛ وشرف منابت أرضه ، ووفور معادنه ، وما تنبته أرضه ، ويخرجه بحره . ويجبى إليه ، ويرد من التّجّار عليه . وأهل بلاده أمم لا تحصى ، وطوائف لا تعدّ . ثم حكى عن قوم ثقات منهم قاضي القضاة سراج الدين الهنديّ الحنفيّ ، وهو يومئذ مدرّس البيدمريّة بالقاهرة ، والتاج البزّي ، والشيخ مبارك الأنبايتيّ : أن عسكر
هامش
( 1 ) أسس غياث الدين طغلق شاه ( حكم بين 721 ه 725 ) أسرة حكمت الهند نحو مائة سنة . وبعدما استقرت له الأمور جعل ابنه محمدا وليا للعهد . وقد تآمر محمد على والده ودبّر له مكيدة أودت به . ولما توفي طغلق شاه تولى محمد الملك باسم « محمد طغلق » وكنيته « أبو المجاهد » وكان اسمه « جونه » - وسميت مدينة جونبور المعروفة في الهند باسمه وقد سماه أبوه « ألغ خان » وهو ولي العهد . يقول عنه صاحب نزهة الخواطر ( ابن الصاحب المتوفى سنة 813 ه ) إنه السلطان الجائر المشهور بالعادل ، وكان من عجائب الزمن وسوانح الدهر لم ير مثله في الملوك والسلاطين في بذل الأموال الطائلة وسفك الدماء المعصومة . وقد جاء ابن بطوطة إلى دلهي في زمانه سنة 734 ه 1337 م ودون كل ما شاهده وسمعه عنه ويقول : أما أخبار هذا الملك فمعظمها أيام كوني ببلاده ، ثم يصفه فيقول : وهو أحب الناس لإسداء العطايا وإراقة الدماء ، فلا يخلو بابه من نفير يغني أو حي يقتل . ثم يقول : وسنذكر من أخباره عجائب لم يسمع بمثلها عمن تقدمه . وابن بطوطة لم يقتصر على ذكر كرمه ومدائحه ، ولكنه ذكر بجانب ذلك فظائعه وجرائمه التي ارتكبها ومن أجل هذا يعتبر ابن بطوطة من أوثق المصادر عن تاريخ هذا الملك . وتذكر بعض كتب التاريخ عنه أنه كان متدينا لا يشرب الخمر ، وقائدا شجاعا وإداريا قديرا يعتبر أحد القواد والإداريين العظام ، غير أنه كان شديدا في معاملة رعاياه إلى حد القسوة يقتل أحدهم على الذنب الصغير . ويقول ابن بطوطة : ومن أعظم ما كان ينقم بسببه على السلطان إجلاؤه لأهل دلهي عنها ؛ وسبب ذلك أنهم كانوا يكتبون بطائق فيها شتمه وسبّه ويرمونها بالقصر ليلا فعزم على تخريب دلهي واشترى من أهلها جميعا دورهم وأمرهم بالانتقال عنها إلى « دولت أباد » . ( انظر تاريخ الإسلام في الهند : ص : 126 وما بعدها ) .