تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صبح الأعشى في صناعة الإنشا — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
المعاصي الوبيّة ( 1 ) « ونحو ذلك من الافتتاحات البهجة ، والابتداآت الرائقة ، مما ستقف على الكثير منه في خلال هذا الكتاب إن شاء اللَّه تعالى . الأصل الثاني ( أن يأتي في ابتداء المكاتبة ببراعة الاستهلال المطلوبة في كلّ فنّ من فنون الكلام ) بأن يأتي في صدر المكاتبة بما يدلّ على عجزها ؛ فإن كان الكتاب بفتح ، أتى في أوّله بما يدلّ على التهنئة ، أو بتعزية أتى في أوّله بما يدلّ على التعزية ، أو في غير ذلك من المعاني أتى في أوّله بما يدلّ عليه ؛ ليعلم من مبدأ الكتاب ما المراد منه . كما يحكى أن عمرو بن مسعدة كاتب المأمون أمر كاتبه أن يكتب إلى الخليفة كتابا يعرّفه فيه أن بقرة ولدت عجلا وجهه وجه إنسان ، فكتب : « أمّا بعد حمد اللَّه خالق الأنام ، في بطون الأنعام » . وفضلاء الكتّاب وأئمتهم يعتنون بذلك كلّ الاعتناء ، ويرون تركه إخلالا بالصنعة ، ونقصا في الكتابة ، حتّى أن الوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر قد عاب أبا إسحاق الصابي على جلالة قدره في الكتابة ، واعترافه له بالتقدّم في الصناعة ، بكتاب كتبه بفتح بغداد وهزيمة التّرك فقال في أوّله : « الحمد للَّه ربّ العالمين ، الملك الحقّ المبين ؛ الوحيد الفريد ، العليّ المجيد ؛ الذي لا يوصف إلا بسلب الصّفات ، ولا ينعت إلا برفع النّعوت ؛ الأزليّ بلا ابتداء ، الأبديّ بلا انتهاء ، القديم لا منذ أمد محدود ، الدائم لا إلى أجل معدود ، الفاعل لا من مادّة امتدّها ، الصانع لا بآلة استعملها ، الذي لا تدركه الأعين بألحاظها ، ولا تحدّه الألسن بألفاظها ، ولا تخلقه العصور بمرورها ، ولا تهزمه الدّهور بكرورها ، ولا تجاريه أقدام النّظراء والأشكال ، ولا تزاجمه مناكب القرناء والأمثال ، بل هو الصّمد الذي لا كفء له ، والفرد الذي
هامش
( 1 ) أنظر هذا الفصل في الذخيرة ( ق 1 م 1 ص 499 - 500 ) .