فمن المبالغة في الشعر المنتهية إلى حدّ الكذب قول ( 1 ) البحتري :
ولو قست يوما حجلها بحقابها
لكانا سواء لا بل الحجل أوسع ( 2 )
وصفها برقّة الخصر وغلظ الساق حتّى جعل حجلها الذي يدور على ساقها أوسع من حقابها الذي يدور على خصرها ؛ وأبلغ منه قول الآخر ( 3 ) :
من الهيف لو أنّ الخلاخيل ( 4 ) صيّرت
لها وشحا جالت عليها الخلاخل
فجعل الخلخال يجول في بدنها ، ولكنه ليس من المدح في شيء لأن الخلخال لو صار وشاحا للمرأة لكانت في غاية الدّمامة حتّى تصير في خلقة الجرو ( 5 ) والهرّ .
وأبلغ منه قول الآخر :
ورحب صدر لو انّ الأرض واسعة
كوسعه لم يضق عن أهله بلد
فجعل صدره في السّعة والرّحب أوسع من الأرض ، ونحوه قول الآخر ( 6 ) :
ويوم كطول الدّهر في عرض مثله
ووجدي من هذا وهاذاك أطول
إلا أنه استعمل العرض في غير موضعه ؛ إذ الدهر يوصف بالطول لا بالعرض ، وهو قد جعل له طولا وعرضا ؛ ويقرب منه قول أبي الطَّيّب :
كفى بجسمي نحولا أنّني رجل
لولا مخاطبتي إيّاك لم أبن ( 7 )
هامش
( 1 ) نسب أبو هلال العسكري هذا البيت إلى النمّري .
( 2 ) الحجل ، بفتح الحاء وكسرها ، هو الخلخال . والحقاب : شيء تعلق به المرأة الحلي وتشده في وسطها .
( 3 ) القائل أبو تمام .
( 4 ) في « الصناعتين » : 126 : « الخلاخل » .
( 5 ) الجر وهو ولد الكلب والسباع .
( 6 ) البيت لأبي تمام ( كتاب الصناعتين : 133 ) .
( 7 ) المشهور في الرواية : « لم ترني » .