عليهم ، وكانوا يكثرون منه ، ومن أكثر من شيء عرف به ، كما أن النابغة ومن تابعه على مذهبه لا يكرهون ضدّ المبالغة ، وإلا فكلّ احتجاج جاء به على النّعمان في الاعتذار جار مجرى الحقيقة كقوله :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
وليس وراء اللَّه للمرء مذهب
فعائب الكلام الحسن بترك المبالغة فقط مخطيء ، وعائب المبالغة على الإطلاق غير مصيب ، وخير الأمور أوساطها .
والتحقيق أن المبالغة إذا لم تخرج عن حدّ الإمكان ، ولم تجر مجرى الكذب المحض ، فإنها لا تذمّ بحال ، كقول قيس بن الخطيم ( 1 ) :
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر
لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
ملكت بها كفّي فأنهرت ( 2 ) فتقها
يرى قائم من دونها من ( 3 ) وراءها
فإن ذلك من جيد المبالغة ، إذ لم يكن خارجا مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية في وصف الطعنة ، وكذلك قول أبي تمّام :
تكاد تنتقل الأرواح لو تركت
من الجسوم إليها حين تنتقل
فإنه لم يقنع بصحيح المبالغة وقربها من الوقوع فضلا عن الجواز بتقديم كاد ، حتّى قال : لو تركت ، قال : وهذا أصح بيت سمعته في المبالغة وأحسنه ؛ وعلى حدّه ورد قول شاعر الحماسة ، وقد بالغ في مدح ممدوحه فقال :
رهنت يدي بالعجز عن شكر برّه
وما فوق شكري للشّكور مزيد
ولو كان مما يستطاع استطعته
ولكنّ ما لا يستطاع شديد
هامش
( 1 ) شاعر الأوس وأحد صناديدها في الجاهلية . أدرك الإسلام وقتل قبل أن يدخل فيه . ( معجم الشعراء : 112 ) .
( 2 ) أنهر الطعنة أي : وسّعها ( اللسان : 5 / 237 ) .
( 3 ) في اللسان : 5 / 237 وفي معجم الشعراء : 112 : « ما » .