الوجه الثاني في تحقيق المعاني ؛ ومعرفة صوابها من خطئها ، وحسنها من قبحها .
وقد قسم صاحب الصناعتين ( 1 ) المعاني على خمسة أصناف
الصنف الأوّل ما كان من المعاني مستقيما حسنا
، كقولك رأيت زيدا وهو أعلى الأنواع الخمسة وأشرفها قال في « الصناعتين » : والمعنى الصحيح الثابت ينادي على نفسه بالصحة ، ولا يحوج إلى التكلَّف لصحته حتّى يوجد المعنى فيه خطيبا .
فأما المعنى المستقيم الجزل من النظم ، فمن الوعظ قول النّمر بن تولب ( 2 ) يذم طول الحياة :
يودّ الفتى طول السّلامة والغنى
فكيف ترى طول السلامة يفعل ( 3 )
يكاد ( 4 ) الفتى بعد اعتدال وصحّة
ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقول أبي العتاهية في الوعظ بزوال العز والنعمة بالموت :
وكانت في حياتك لي عظات
وأنت اليوم أوعظ منك حيّا !
وفي وصف الأيام قول أبي تمّام :
على أنها الأيّام قد صرن كلَّها
عجائب حتّى ليس فيها عجائب
ومن المدح قول أمية بن أبي الصّلت :
عطاؤك ( 5 ) زين لأمريء إن حبوته
بسيب وما كلّ العطاء يزين
هامش
( 1 ) كتاب صناعتي النظم والنثر أو كتاب الصناعتين لأبي هلال الحسن بن عبد اللَّه العسكري المتوفى سنة 395 ه . ( كشف الظنون : 1082 ) .
( 2 ) كان شاعرا جوادا ، ويسمى الكيّس لحسن شعره . أدرك الإسلام فأسلم . ( الشعر والشعراء : 141 ) .
( 3 ) في الصناعتين : 44 : « تفعل » .
( 4 ) في الصناعتين : 44 : « يرد » .
( 5 ) المخاطب الممدوح هنا هو عبد اللَّه بن جدعان . ( كتاب الصناعتين : 48 ) .