إحدى الثمانية فدرس بها مدة طويلة ثم توجه بنية الحج إلى مصر فأقام بمصر سنة ثم حج وعاد إلى الروم وكان توفي المولى أفضل الدين المفتي فولاه السلطان أبو يزيد منصب الفتوى وعين له مائة درهم ثم لما بنى مدرسته بالقسطنطينية ضمها له إلى الفتوى وعين له خمسين درهما زائدة على المائة وكان يصرف جميع أوقاته في التلاوة والعبادة والتدريس والفتوى ويصلي الخمس في الجماعة وكان كريم الأخلاق لا يذكر أحدا بسوء وكان يغلق باب داره ويقعد في غرفة له فتلقى إليه رقاع الفتاوي فيكتب عليها ثم يدليها يفعل ذلك لئلا يرى الناس فيميز بينهم في الفتوى وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصدع بالحق ويواجه بذلك السلطان فمن دونه حتى أن السلطان سليم أمر بقتل مائة وخمسين رجلا من حفاظ الخزينة فذهب صاحب الترجمة إلى الديوان ولم يكن من عادتهم أن يذهب المفتي إلى الديوان إلا لأمر عظيم فلما دخل تحيروا وقالوا أي شيء دعا المولى إلى المجيء فقال أريد ألاقي السلطان فلي معه كلام فعرضوا أمره على السلطان فأمر بدخوله وحده فدخل وسلم وجلس وقال وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان وقد سمعت بأنك أمرت بقتل مائة وخمسين رجلا من أرباب الديوان لا يجوز قتلهم شرعا فغضب السلطان سليم وكان صاحب حدة وقال له لا تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وظيفتك فقال بل أتعرض لأمر آخرتك وهو من وظيفتي فإن عفوت فلك النجاة وإلا فعليك عقاب عظيم فانكسرت سورة غضبه وعفا عن الكل ثم تحدث معه ساعة ثم سأله في إعادة مناصبهم فأعادها لهم وحكى أن السلطان سليم أرسل إليه مرة أمرا بأن يكون قاضي العسكر وقال له جمعت لك بين الطرفين لأني تحققت أنك تتكلم بالحق فكتب إليه وصل إلى كتابك سلمك الله تعالى وأبقاك وأمرتني بالقضاء وأني أمتثل أمرك إلا أن لي مع الله تعالى عهدا أن لا تصدر عني لفظة حكمت فأحبه السلطان محبة
شذرات الذهب في أخبار من ذهب — صفحة 185
مساهمون: عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
ص١٨٥