والحضارة الفكرية . وفي الوقت نفسه يحرصون على أن يسجلوا ويدونوا ما
جمعوه في أمانة ودقة وصحة .
لقد نهضت بغداد برسالة العلم والأدب ، ووثبت بهما وثبة كبرى
وأصبحت في الجملة شمسا للبلاد الإسلامية شرقيها وغربيها تستضئ بهديها
وتسير على قبس منها ، وأحبار العلم فيها يحرصون على هذا التراث يجمعون
شتاته ، ويفحصون لبناته ويضمون النظير إلى النظير ، ويستخرجون القاعدة
تلو القاعدة ، لا هم لهم ولا غاية متوخاة من وراء ذلك إلا خدمة هذا التراث
والحفاظ عليه .
وفي الحين هذا دهمها التتار عام ( 656 ) وأزالوا خلافتها ونكلوا بأبنائها
وعبثوا بمؤلفاتها ودمروا تراثها الفكري الذي عمل من أجله زهاء خمسة قرون
وضاعت بذلك ثمار كثيرة فكرية ووقفت بها رحى العلوم والآداب إلا لماما
لماما .
وأية نكبة في التاريخ أبادت معالم الإنسانية والحضارة الفكرية . مثل
وقيعة التتار ، وقطعت سلسلة العلوم والآداب الإسلامية ، وأحرقت الحرث
والنسل وحاربت رجال التأليف والتصنيف وطاردتهم بطرق مختلفة ، وشنت
على الخزائن ودور الكتب حملات وغارات لا إنسانية وجرت على أهلها ما
لم يكن في الحسبان من ألم ونصب ومشقة وعناء وفقر مدقع ، وجدب وقحط
ومسغبة .
إنها وأيم الحق أعظم كارثة حلت بمدينة على مر التاريخ كله . . . وأي
مدينة كانت بغداد ، التي ظلت قرنين من الزمان وهي أعظم عاصمة علمية
وأدبية في الحياة ، تبسط لواءها على أقطار الإسلام وتتدفق إليها الثروات
الفكرية والمادية ويحدثنا المؤرخ ابن الأثير عن الزحف المخيف هذا وقد مر
مشهده أمامه فيقول في عبارات تقطر دما :
" لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها
لذكرها ، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب
مختصر أخبار شعراء الشيعة — صفحة 6
مساهمون: المرزباني الخراساني
ص٦