اللهم واني لأعلم أن العلم لا يأرز ( 1 ) كله ، ولا تنقطع مواده وانك لا تخلي
أرضك من حجة لك على خلقك ، ظاهر ليس بالمطاع ، أو خائف مغمور كيلا
تبطل حجتك [ حججك - خ ] ولا يضل أولياءك بعد إذ هديتهم ، بل أين هم
وكم ؟ ! أولئك الأقلون عددا والأعظمون عند الله جل ذكره قدرا ، المتبعون لقادة
الدين ، الأئمة الهادين الذين يتأدبون بآدابهم ، وينهجون نهجهم ، فعند ذلك
يهجم ( 2 ) بهم العلم على حقيقة الايمان ، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم ،
ويستنبئون ( 3 ) [ يستلينون - خ ] من حديثهم ما استوعر ( 4 ) على غيرهم ،
ويأنسون بما استوحش منه المكذبون وأباه المسرفون أولئك اتباع وصحبوا
أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه ودانوا بالتقية إلى دينهم والخوف
من عدوهم .
فأرواحهم معلقة بالمحل الأعلى ( 5 ) فعلمائهم وأتباعهم خرس صمت في
دولة الباطل منتظرون لدولة الحق ويحق الله الحق بكلماتهم ، ويمحق الباطل .
ها ، ها ، ها ( 6 ) طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم ( 7 ) ، ويا
هامش
( 1 ) يأرز بالراء المهملة ثم الزاء المعجمة أي لا يجتمع ولا ينقبض ، بل ينبسط وينتشر ومنه الحديث أن
الاسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها .
( 2 ) الهجوم على القوم : الدخول عليهم بغتة وغفلة أي يطلعهم العلم على حقيقة الايمان .
( 3 ) أي : يستخبرون .
( 4 ) الوعر من الأرض : ضد السهل .
( 5 ) لأنهم نفضوا عن أذيال قلوبهم غبار التعلق بهذه الخربة الموحشة ، وتوجهت أرواحهم إلى مشاهدة
جمال الربوبية فهم مصاحبون بأشباحهم لأهل هذه الدار ، وبأرواحهم بالملائكة المقربين الأبرار ،
وحسن أولئك رفيقا .
( 6 ) كناية عن التأوه .
( 7 ) الهدنة : بالضم : الصلح بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين يقال هدنته أي سكنته .