وأما قول هذا القائل : إن هذا يكون كونا من الشيء بمعنى بعد فليس إذا كان بمعنى بعد كيف كان لم يكن الكون الذي نقصده فإنه لا بد في كل كون عن شيء أن يكون الكائن بعد ما عنه كان إنما الذي يزيفه المعلم الأول ولا يتعرض له هو أن لا يكون هناك معنى غير البعدية مثل المثل الذي يضر به ويشرحه وأما إذا كان من الشيء بمعنى أن كان بعده بأن بقي له من جوهره الذي كان أولا ما هو أيضا من جوهر الثاني لم يكن بمعنى بعد فقط وكان الذي كلامنا فيه .
وأما قول هذا القائل : إنه تكلم في العنصر الذي بالعرض دون العنصر الذي بالذات فقد وقعت فيه مغالطة بسبب أن العنصر للكون ليس هو بعينه العنصر للقوام في الاعتبار وإن كان هو هو بالذات فإن العنصر بالذات للكون هو ذات مقارنة للقوة والعنصر بالذات للقوام هو ذات مقارنة للفعل وكل واحد منهما هو عنصر بالعرض لما ليس هو عنصرا له بالذات وكلامه في العنصر الذي للكون لا في الذي للقوام فيكون إنما أخذ العنصر بالعرض لو أخذ العنصر الذي للكون مبدأ للقوام فإن الصبي ليس عنصرا لقوام الرجل ولا يكون منه قوام الرجل ولكنه عنصر لكون الرجل ويكون منه كون الرجل .
فإن قال قائل : إن المعلم الأول إنما يتكلم في مبادئ الجوهر مطلقا فلم أعرض عن العنصر الذي للجوهر في قوامه مثل موضوع السماء واقتصر على العنصر الذي للجوهر في كونه .
فالجواب عن ذلك أن عنصر قوامه جزء منه وهو معه بالفعل ولا يشكل تناهي الأمور الموجودة بالفعل في شيء متناه موجود بالفعل . على أن من بلغ أن يتعلم هذا العلم
الشفاء - الإلهيات — صفحة 339
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٣٩