الناطقة ، لا من حيث هي كذلك ، بل من حيث استكمالها بكمالاتها اللائقة بما هنالك ، ولله درّ من قال :
يا خادم الجسم كم تشفي بغلته * وتطلب الربح ممّا فيه خسران فلازم - وفّقك الله تعالى له - الدروس والنظر :
أقبل على النفس واستكمل طرائقها * فأنت بالنفس لا بالجسم انسان واتّخذ الخلوة والعزلة حجاباً عن البشر ، فليس في الصحبة الاّ الوبال والضرر ، وايّاك والرغبة فيما لا يهمّك ولا يعنيك ، بل ربّما يغمّك ويعييك من أُمور هذه الدار المملوءة بالهموم والأكدار ، والاشتغال بكثرة الكتابة للمجاميع والقراطيس ممّا يمنعك عن نيل ذلك الجوهر النفيس .
فاصرف - أيّدك الله تعالى - للعلم همّتك ، وبيّض لأجله لمّتك ، وأغلق له دكّانك ، وشدّد له أركانك ، واهجر له صحبتك وإخوانك ، واعطه كلّك عسى أن يعطيك بعضه ، ولا يوليك هجره وبغضه ، وانتهز الفرصة ، فانّها تمرّ مرّ السحاب ، وخذ الأُهبة قبل أن يغلق الباب ، فليس أبوك بباق لك مدى الأوقات ، ولا زمانك يفي لك بالسلامة من الآفات والمخافات :
عليك بالعلم وتحصيله * والسعي كلّ السعي في نيله
والجدّ في تحقيق أبوابه * والشرب من كاسات تبجيله
واجعل له الليل نهاراً عسى * تكشف عن فجر دجى ليله
والزم له العزلة في خلوة * كيما ترى أنوار تأويله
واعطه كلّك كي ربّما * يعطيك منه بعض تفضيله
ودع لداعي الجهل أربابه * فالكلّ مشغول بتضليله
وأوص على التقوى لتقوى به * على العلى في حمل أكليله
فانّ بالعلم تنال المنى * في الدين والدنيا بتفضيله
الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب — صفحة 46
مساهمون: المحقق البحراني
ص٤٦