من المسجد فأقم عليه الحد وفي سنده مقال . وإلى عدم جواز إقامة الحد في المسجد ذهب
أحمد وإسحاق والكوفيون لما ذكر من الدليل . وذهب ابن أبي ليلى والشعبي إلى جوازه
ولم يذكر له دليلا وكأنه حمل النهي على التنزيه . قال ابن بطال : وقول من نزه المسجد
أولى : يريد قول الأولين .
6 - ( وعن أنس رضي الله عنه قال : لقد أنزل الله تحريم الخمر وما بالمدينة شراب
يشرب إلا من تمر أخرجه مسلم . فيه دليل على ما سلف من تسمية نبيذ التمر خمر عند
نزول آية التحريم .
7 - ( وعن عمر رضي الله عنه قال : نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة : من العنب
والتمر والعسل والحنطة والشعير . والخمر ما خامر العقل متفق عليه . وأخرجه الثلاثة أيضا .
ولا يقال إنه معارض بحديث أنس لان حديث أنس إخبار عما كان من الشراب في المدينة
وكلام عمر ليس فيه تقييد بالمدينة وإنما هو إخبار عما يشربه الناس مطلقا ، وقوله : الخمر
ما خامر العقل إشارة إلى وجه التسمية ، وظهره أن كل ما خالط العقل أو غطاه يسمى
خمرا لغة ، سواء كان مما ذكر أو غيره ، ويدل له أيضا الحديث الآتي .
8 - ( وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ( ص ) قال : كل مسكر خمر ، وكل مسكر
حرام أخرجه مسلم . فإنه دال على أن كل مسكر يسمى خمرا .
وفي قوله : كل مسكر حرام دليل على تحريم كل مسكر ، وهو عام لكل ما كان من عصير
أو نبيذ . وإنما اختلف العلماء في المراد بالمسكر : هل يراد تحريم القدر المسكر ، وتحريم تناوله
مطلقا وإن قل ولم يسكر إذا كان في ذلك الجنس صلاحية الاسكار . ذهب إلى تحريم القليل
والكثير مما أسكر جنسه : الجمهور من الصحابة وغيرهم وأحمد وإسحاق والشافعي ومالك والهادوية
جميعا ، مستدلين بهذا الحديث وحديث جابر الآتي بعد هذا ، وبما أخرجه أبو داود من حديث
عائشة : كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام . وبما أخرجه ابن
حبان والطحاوي من حديث سعد بن أبي وقاص : أنه ( ص ) قال : أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره وفي معناه روايات كثيرة لا تخلو عن مقال في أسانيدها لكنها تعتضد بما
سمعت . قال أبو مظفر السمعاني : الاخبار في ذلك كثيرة لا مساغ لاحد في العدول عنها .
وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر علماء البصرة إلى أنه يحل دون المسكر من غير
عصير العنب والرطب . وتحقيق مذهب الحنفية قد بسطه في شرح الكنز حيث قال : إن
أبا حنيفة قال : الخمر هو النئ من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد حرم قليلها
وكثيرها وقال : إن الغليان من آية الشدة ، وكماله بقذف الزبد وبسكونه إذ به يتميز الصافي
من الكدر . وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحدود وإكفار المستحل وحرمة البيع
والنجاسة . وعند صاحبيه إذا اشتد صار خمرا ولا يشترط القذف بالزبد لان الاسم يثبت به ،
والمعنى المقتضي للتحريم وهو المؤثر في الفساد وإيقاع العداوة . وأما الطلاء بكسر الطاء وهو
العصير من العنب إن طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه ، والسكر بفتحتين وهو النئ من ماء
سبل السلام — صفحة 33
مساهمون: محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
ص٣٣