وإنما قال " بيننا " لأنه ضم المؤمنين به إلى نفسه ، وقد كان الكافرون من قومه
هددوا إياه والمؤمنين به جميعا إذ قالوا : " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك
من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " ( 1 ) فضمهم إلى نفسه وهاجر قومه في عملهم وسار
بهم إلى ربه وقال : " ربنا افتح بيننا . . . الخ " .
وقد استمسك في دعائه باسمه الكريم : " خير الفاتحين " لما مر أن التمسك
بالصفة المناسبة لمتن الدعاء تأييد بالغ بمنزلة الإقسام ، وهذا بخلاف قول
موسى ( عليه السلام ) : " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "
المنقول آنفا ، لما تقدم أن لفظه ( عليه السلام ) ليس بدعاء حقيقة بل هو كناية عن الإمساك
عن الدعوة وإرجاع للأمر إلى الله فلا مقتضي للإقسام بخلاف قول شعيب .
ومن ذلك ما حكاه الله من ثناء داود وسليمان ( عليهما السلام ) قال تعالى : " ولقد آتينا
داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين " ( 2 ) .
وجه الأدب في حمدهما وشكرهما ونسبة ما عندهما من فضيلة العلم إلى الله
سبحانه ظاهر ، فلم يقولا مثل ما حكي عن غيرهما كقول قارون لقومه إذ وعظوه
أن لا يستكبر في الأرض بماله : " إنما أوتيته على علم عندي " ( 3 ) وكما حكى الله
عن قوم آخرين : " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق
بهم ما كانوا به يستهزئون " ( 4 ) .
ولا ضير في الحمد على تفضيل الله إياهما على كثير من المؤمنين ، فإنه من
ذكر خصوص النعمة وبيان الواقع ، وليس ذلك من التكبر على عباد الله حتى يلحق
به ذم ، وقد ذكر الله عن طائفة من المؤمنين سؤال التفضيل ومدحهم على علو
طبعهم وسمو همتهم حيث قال : " والذين يقولون ربنا - إلى أن قال - : واجعلنا
للمتقين إماما " ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الأعراف : 88 .
( 2 ) النمل : 15 .
( 3 ) القصص : 78 .
( 4 ) غافر : 83 .
( 5 ) الفرقان : 74 .