صعبا قد أخذهم الغضب الإلهي والبطش الذي لا يقوم له شئ ، وما مسألة المغفرة
والرحمة من سيد ساخط قد هتكت حرمته واهين على سؤدده كمسألة من هو في
حال سوي ، فلذلك قدم ( عليه السلام ) ما تسكن به فورة الغضب الإلهي حتى يتخلص إلى
طلب المغفرة والرحمة .
فقال : " رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي " يريد ( عليه السلام ) - كما تدل عليه قرينة
المقام - رب إن نفسي ونفوسهم جميعا قبض قدرتك وطوع مشيئتك ، لو شئت
أهلكتهم وأنا فيهم قبل اليوم كما أهلكتهم اليوم وأبقيتني ، فماذا أقول لقومي إذا
رجعت إليهم واتهموني بأني قتلتهم ، وحالهم ما أنت أعلم به ؟ وهذا يبطل دعوتي
ويحبط عملي .
ثم عد ( عليه السلام ) إهلاك السبعين إهلاكا له ولقومه ، فذكر أنهم سفهاء من قومه لا يعبأ
بفعلهم ، فأخذ ربه برحمته حيث لم يكن من عادته تعالى أن يهلك قوما بفعل
السفهاء منهم . وليس ذلك إلا موردا من موارد الامتحان العام الذي لا يزال جاريا
على الإنسان فيضل به كثير ، ويهتدي به كثير ، ولم تقابلها إلا بالصفح والستر .
وإذ كان بيدك أمر نفسي ونفوسنا تقدر على إهلاكنا متى شئت ، وكانت هذه
الواقعة غير بدع في مسير امتحانك العام الذي يعقب ضلال قوم وهداية آخرين ،
ولا ينتهي إلا إلى مشيئتك ، فأنت ولينا الذي يقوم بأمرك ومشيئتك تدبير أمورنا ،
ولا صنع لنا فيها ، فاقض فينا بالمغفرة والرحمة ، فإن من جملة صفاتك أنك خير
الغافرين ، واكتب لنا في هذه الدنيا عيشة آمنة من العذاب ، وهي التي يستحسنها
من أحاط به غمر السخط الإلهي ، وفي الآخرة حسنة بالمغفرة والجنة .
وهذا ما ساقه ( عليه السلام ) في مسألته ، وقد أخذتهم الرجفة وشملتهم البلية ، فانظر
كيف استعمل جميل أدب العبودية واسترحم ربه ، ولم يزل يستوهب الرحمة ،
ويسكن بثنائه فورة السخط الإلهي حتى أجيب إلى ما لم يذكره من الحاجة بين ما
ذكره ، وهو إعادة حياتهم إليهم بعد الإهلاك ، وأوحي إليه بما حكاه الله تعالى : " قال
عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون
سنن النبي ( ص ) ( مع ملحقات ) — صفحة 65
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٦٥