أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير " ( 1 ) .
يسأل ربه أن يتخذ أرض مكة - وهي يومئذ أرض قفرة وواد غير ذي زرع -
حرما لنفسه ليجمع بذلك شمل الدين ، ويكون ذلك رابطة أرضية جسمانية بين
الناس وبين ربهم يقصدونه لعبادة ربهم ، ويتوجهون إليه في مناسكهم ، ويراعون
حرمته فيما بينهم ، فيكون ذلك آية باقية خالدة لله في الأرض يذكر الله كل من
ذكره ، ويقصده كل من قصده ، وتتشخص به الوجهة ، وتتحد به الكلمة .
والدليل على أنه ( عليه السلام ) يريد بالأمن الأمن التشريعي الذي هو معنى اتخاذه
حرما دون الأمن الخارجي من وقوع المقاتلات والحروب وسائر الحوادث
المفسدة للأمن المخلة بالرفاهية قوله تعالى : " أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه
ثمرات كل شئ " ( 2 ) فإن في الآية امتنانا عليهم بأمن الحرم وهو المكان الذي
احترمه الله لنفسه ، فاتصف بالأمن من جهة ما احترمه الناس لا من جهة عامل
تكويني يقيه من الفساد والقتل ، والآية نزلت وقد شاهدت مكة حروبا مبيدة بين
قريش وجرهم فيها ، وكذا من القتل والجور والفساد ما لا يحصى ، وكذا قوله
تعالى : " أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " ( 3 ) أي
لا يتخطفون في الحرام لاحترام الناس إياه لمكان الحرمة التي جعلناها .
وبالجملة : كان مطلوبه ( عليه السلام ) هو أن يكون لله في الأرض حرم تسكنه ذرية ،
وكان لا يحصل ذلك إلا ببناء بلد يقصده الناس من كل جانب فيكون مجمعا دينيا
يؤمونه بالسكونة واللواذ والزيارة إلى يوم القيامة فلذلك سأل أن يجعله بلدا آمنا ،
وقد كان غير ذي زرع فسأل أن يرزقهم من الثمرات حتى يعمر بسكانه ولا
يتفرقوا منه .
ثم لما أحس أن دعاءه بهذا التشريف يشمل المؤمن والكافر قيد مسألته
بإيمان المدعو لهم بالله واليوم الآخر فقال : " من آمن منهم بالله واليوم الآخر " وأما
هامش
( 1 ) البقرة : 126 .
( 2 ) القصص : 57 .
( 3 ) العنكبوت : 67 .