قال ابن إسحاق وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم
ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق ، حتى قال معتب بن
قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر ،
وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط !
وحتى قال أوس بن قيظي : يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو ، وذلك عن
ملا من رجال قومه ، فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة .
قلت : هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى : " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم
مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام
لكم فارجعوا ، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة
إن يريدون إلا فرارا " .
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطا ، وأقام المشركون
يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ، ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل .
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما حدثني عاصم بن
عمر بن قتادة ، ومن لا أتهم ، عن الزهري ، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف
المري ، وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة ، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن
أصحابه ، فجرى بينه وبينهم الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة
الصلح ، إلا المراوضة .
فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما
ذلك ، واستشارهما فيه .
فقالا : يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به ،
أم شيئا تصنعه لنا ؟
السيرة النبوية — صفحة 201
مساهمون: ابن كثير
ص٢٠١